الوضع الليلي
Image
  • 16/04/2026
التعليم في المغرب في ميزان المقارنة الدولية مع الدول العربية و الافريقية و الاسيوية

التعليم في المغرب في ميزان المقارنة الدولية مع الدول العربية و الافريقية و الاسيوية

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي

ملخص

يتناول هذا المقال دراسة تحليلية مقارنة لوضعية التعليم في المغرب في سياق دولي واسع يشمل الدول العربية والإفريقية والآسيوية والأوروبية والأمريكيتين، وذلك من خلال مؤشرات كمية تتعلق بجودة التعلم، والاستمرار الدراسي، والفقر التعلمي. كما يناقش المقال عددًا من العوامل البنيوية المفسِّرة للفجوة التعليمية، من بينها إشكالية لغة التدريس وأثرها في بناء الكفايات الأساسية، وتوسع التعليم الخصوصي على حساب المدرسة العمومية، وتراجع الاستثمار في التعليم العمومي، إضافة إلى تحليل نسب التعليم الخصوصي في الدول التي شملتها المقارنة عبر القارات المختلفة. كما يتناول المقال الاستراتيجيات التعليمية التي ساهمت في نجاح عدد من الدول الرائدة، خاصة في شرق آسيا مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، من خلال التركيز على القراءة المبكرة، وجودة تكوين المعلمين، واستقرار المناهج، والانضباط المدرسي، والمتابعة المستمرة للتلاميذ. وقد تم تقسيم المقال إلى أجزاء مترابطة لتيسير القراءة المنهجية، حيث يُخصص الجزء الأول لمقارنة المغرب بعدد من الدول العربية، مع تحليل موقعه من حيث جودة التعلم والاستمرار الدراسي، قبل الانتقال في الأجزاء اللاحقة إلى المقارنة مع الدول الإفريقية والآسيوية، ثم الأوروبية، فالأمريكيتين، مع إدماج قراءة تفسيرية للعوامل المشتركة التي تفسر نجاح بعض النماذج التعليمية مقابل استمرار التحديات في حالات أخرى.. تُظهر المقارنة مع الدول العربية أن المغرب يسجل مستويات أدنى في مؤشرات جودة التعلم، خاصة في القراءة والرياضيات، رغم تقارب السياقات الاجتماعية والاقتصادية في بعض الحالات. فبينما تحقق دول مثل الإمارات وقطر والسعودية نسبًا مرتفعة في إتمام التعليم الثانوي ومستويات أفضل في الكفايات الأساسية، يسجل المغرب نسبًا منخفضة في الاستمرار الدراسي، مع ارتفاع ملحوظ في الفقر التعلمي، ما يعني أن نسبة مهمة من التلاميذ تصل إلى مستويات دراسية متقدمة دون اكتساب المهارات الأساسية. كما تبقى نتائج المغرب قريبة أو أدنى من بعض الدول ذات الأداء المتوسط مثل تونس والجزائر ومصر، خاصة في ما يتعلق بإتقان القراءة المبكرة والانتقال إلى التعليم الثانوي. وتشير هذه المعطيات إلى أن الفجوة التعليمية في المغرب لا ترتبط فقط بمستوى الموارد، بل بعوامل بنيوية تشمل إشكالية لغة التدريس، وضعف القراءة المبكرة، وتراجع المدرسة العمومية، إضافة إلى توسع التعليم الخصوصي كبديل جزئي، وهو ما يؤثر في تكافؤ الفرص وجودة التعلم. كما تُظهر المقارنة أن الدول العربية التي حققت نتائج أفضل ركزت على استقرار المناهج، وتحسين تكوين المعلمين، وتعزيز التحكم في لغة التعلم، مع دعم مبكر للتلاميذ المتعثرين. ويخلص هذا الجزء إلى أن موقع المغرب داخل الفضاء العربي يعكس تحديات هيكلية تتطلب إصلاحًا متكاملًا يركز على جودة التعلم، وليس فقط توسيع الولوج إلى المدرسة.

1- المقدمة

لم تعد أزمة التعليم في المغرب مرتبطة فقط بظاهرة الهدر المدرسي أو ضعف النتائج في الاختبارات الدولية، بل باتت تعكس اختلالًا بنيويًا متعدد الأبعاد يتقاطع فيه عامل الحوكمة، وإشكالية اللغة، وعدم استقرار المناهج، ووضعية المعلم، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية. فالمعطيات الدولية خلال العقدين الأخيرين تُظهر أن المشكلة ليست ظرفية، بل ممتدة زمنيًا رغم توالي برامج الإصلاح. فقد سجّل المغرب نتائج متأخرة في دورات برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) سنوات 2009 و2012 و2015 و2018 و2022، حيث ظل أداء التلاميذ في القراءة والرياضيات والعلوم دون المتوسط العالمي بشكل متكرر، مع بقاء نسبة كبيرة من التلاميذ دون الحد الأدنى للكفايات الأساسية. وفي دورة 2022، ظل المغرب ضمن الدول ذات الأداء الضعيف في القراءة والرياضيات، وهو ما يعكس استمرار الصعوبات البنيوية بدل تحسنها.

 

مؤشرات الواردة في الإنفوغراف الذي نشرته منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في 2026 بالعالم الافريقي والعربي وآسيا وأوروبا والأمريكيتين حول التعليم بالمغرب

وتعزز هذه الصورة مؤشرات أخرى، مثل ما يُعرف بـ”الفقر التعلمي”، أي نسبة الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط في سن العاشرة، والتي تُقدَّر بنحو 60% في المغرب وفق تقديرات البنك الدولي في السنوات الأخيرة، وهو معدل مرتفع مقارنة بدول صاعدة حققت تحسنًا سريعًا خلال فترة قصيرة. كما تُظهر بيانات الاستمرار الدراسي أن نسبة كبيرة من التلاميذ لا تصل إلى نهاية التعليم الثانوي، مع ارتفاع ملحوظ للهدر في مرحلة التعليم الإعدادي تحديدًا، وهي المرحلة التي تمثل نقطة الانكسار الأساسية في المسار الدراسي. وتكتسب هذه المؤشرات أهمية أكبر عند وضعها في سياق الإصلاحات المتعاقبة التي عرفها النظام التعليمي المغربي منذ الاستقلال. فقد شهد القطاع سلسلة من البرامج الكبرى، من بينها: إصلاح 1985 المرتبط بتعريب التعليم الأساسي و الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999–2009) والبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم (2009–2012) والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030 والقانون الإطار للتربية والتكوين (2019) وخارطة الطريق لإصلاح التعليم 2022–2026

ورغم هذا التراكم الإصلاحي، ظلت المؤشرات الدولية الأساسية تتحرك ببطء شديد، بل سجلت أحيانًا تراجعًا في بعض المهارات الأساسية. ويعكس ذلك أن الإشكال لا يرتبط بغياب المبادرات، بل بضعف الأثر البنيوي لهذه الإصلاحات على جودة التعلم داخل الفصل الدراسي، أي أن هذه الإصلاحات لم تُحدث تحولًا عميقًا في الممارسات التعليمية اليومية، مثل تحسين إتقان القراءة في السنوات الأولى، وتطوير طرق التدريس، وتقليص الاكتظاظ، وتعزيز التفاعل داخل القسم، ودعم التلاميذ المتعثرين، وهو ما جعل أثرها محدودًا على اكتساب المهارات الأساسية رغم تعدد البرامج المعلنة. وتزداد هذه المفارقة وضوحًا عند مقارنة المغرب بدول ذات موارد محدودة نجحت في تحسين نتائجها التعليمية خلال فترة زمنية أقصر، مثل فيتنام التي شهدت قفزة ملحوظة في نتائج PISA منذ 2012، ورواندا التي انتقلت إلى إصلاح لغوي شامل وركزت على القراءة المبكرة، وكذلك تركيا التي حسّنت مؤشرات الاستمرار الدراسي تدريجيًا منذ بداية الألفية. كما أن دولًا متقدمة مثل فنلندا وسنغافورة وكندا حافظت على استقرار سياساتها التعليمية لعقود، ما انعكس في أداء مرتفع ومستقر في الاختبارات الدولية.

إن هذه المعطيات مجتمعة تشير إلى أن التحدي الذي يواجه التعليم في المغرب لم يعد يتعلق فقط بتعميم التمدرس، بل بضمان التعلم الفعلي وجودته. فالمشكلة لم تعد في عدد التلاميذ داخل المدرسة، بل في مستوى الكفايات التي يكتسبونها خلال مسارهم الدراسي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحليل بنيوي معمق يفسر أسباب الفجوة بين المغرب وعدد من الدول العربية والآسيوية والأوروبية، ويبحث في العوامل المؤسسية والبيداغوجية التي تحول دون تحقيق تحول نوعي في جودة التعليم.

الدولة

السكان (مليون)

إتمام الابتدائي %

 إتمام الإعدادي %

إتمام الثانوي %

تحت المستوى 2 PISA قراءة %

الفقر التعلمي %

ملاحظات

المغرب

37

85–90

45–50

25–30

70–80

~60

هدر كبير بعد الإعدادي

تونس

12

95–98

60–65

35–40

55–60

~40

استقرار نسبي

الجزائر

45

97–99

70–75

40–45

60–65

~45

نجاح عددي مرتفع

مصر

110

95–98

65–70

40–45

65–70

~55

تعليم خصوصي واسع

الإمارات

10

98–100

85–90

70–80

45–50

~26

جودة تعليم أعلى

السعودية

36

97–99

85–88

65–70

50–55

~30

تحسن سريع بعد الإصلاحات

قطر

3

99–100

90–95

80–85

40–45

~20

نظام صغير عالي الإنفاق

2- مقارنة المغرب بالدول العربية

يُظهر الجدول 1 المقارن لمؤشرات التعليم في عدد من الدول العربية، مع إدماج حجم السكان، أن تقييم أداء الأنظمة التعليمية لا يمكن أن يقوم على الانطباعات العامة أو المؤشرات الوصفية، بل يتطلب قراءة مركبة تجمع بين مؤشرات الولوج إلى التعليم، والاستمرار الدراسي، وجودة التعلم، والسياق الديمغرافي. فهذه المؤشرات مجتمعة تسمح بتحديد موقع كل دولة بدقة، وتفسير الفوارق ليس فقط من حيث النتائج، بل من حيث البنية التعليمية نفسها.

أول ما يلفت الانتباه في الجدول هو أن نسب إتمام التعليم الابتدائي مرتفعة نسبيًا في جميع الدول تقريبًا، بما فيها المغرب، حيث تتراوح بين 85 و90 في المائة، بينما تقترب من 100 في المائة في دول مثل الإمارات وقطر والسعودية. ويشير ذلك إلى أن مشكلة التعليم في هذه الدول، ومنها المغرب، لم تعد مرتبطة بالولوج إلى المدرسة، بل بقدرة النظام التعليمي على الاحتفاظ بالتلاميذ وضمان استمرارهم إلى نهاية التعليم الثانوي. وهذا ما تؤكده المعطيات الخاصة بإتمام التعليم الإعدادي، حيث ينخفض المؤشر في المغرب إلى حدود 45–50 في المائة فقط، مقابل مستويات مرتفعة تتجاوز 85 في المائة في السعودية والإمارات، وتصل إلى نحو 90 في المائة في قطر. وتكشف هذه الفجوة أن مرحلة التعليم الإعدادي تمثل نقطة انكسار رئيسية في المسار الدراسي بالمغرب، وهو ما ينعكس لاحقًا على ضعف نسب إتمام التعليم الثانوي.

جدول 1 مقارنة مؤشرات التعليم (العالم العربي)

ويتأكد هذا الاتجاه عند مقارنة مؤشر إتمام التعليم الثانوي، إذ لا تتجاوز النسبة في المغرب 25–30 في المائة، مقابل حوالي 35–40 في المائة في تونس، و40–45 في المائة في الجزائر ومصر، بينما ترتفع إلى 65–70 في المائة في السعودية، وتصل إلى 70–80 في المائة في الإمارات، وتتجاوز 80 في المائة في قطر. ويعكس هذا التدرج أن الفجوة التعليمية تتسع تدريجيًا كلما تقدمنا في المسار الدراسي، ما يدل على أن المشكلة ليست ظرفية أو مرتبطة بمرحلة واحدة، بل هي نتيجة تراكم صعوبات تعليمية مبكرة تتفاقم مع الزمن.

بيان مقارنة مؤشرات التعليم (العالم العربي)

غير أن قراءة نسب الإتمام وحدها لا تكفي لتقييم جودة التعليم، إذ قد ترتفع نسب النجاح دون أن يقابلها تحسن فعلي في الكفايات الأساسية. لذلك يكتسي مؤشر الأداء في اختبار PISA أهمية خاصة، باعتباره يقيس قدرة التلاميذ على الفهم والتحليل وليس الحفظ فقط. ويُظهر الجدول أن نسبة التلاميذ دون الحد الأدنى في القراءة مرتفعة في المغرب، حيث تتراوح بين 70 و80 في المائة، وهي نسبة أعلى من تونس والجزائر ومصر، وأعلى بكثير من السعودية والإمارات وقطر، التي تتراوح فيها هذه النسبة بين 40 و55 في المائة تقريبًا. ويعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من التلاميذ في المغرب يصلون إلى مستويات دراسية متقدمة دون اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والفهم، وهو ما يفسر لاحقًا صعوبات التعلم في الرياضيات والعلوم، وارتفاع نسب الانقطاع الدراسي.

ويتقاطع هذا المؤشر مع ما يُعرف بالفقر التعلمي، أي نسبة الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط في سن العاشرة، حيث يسجل المغرب نسبة تقارب 60 في المائة، وهي من أعلى النسب في الجدول، مقارنة بحوالي 40 في المائة في تونس، و45 في المائة في الجزائر، و30 في المائة في السعودية، و26 في المائة في الإمارات، وحوالي 20 في المائة فقط في قطر. ويشير هذا المؤشر إلى أن فجوة التعلم تبدأ في السنوات الأولى من التعليم، قبل أن تتفاقم لاحقًا في المرحلتين الإعدادية والثانوية.

ومن جهة أخرى، يسمح إدماج عدد السكان في الجدول بإضافة بعد تحليلي مهم. فالدول ذات عدد سكان محدود مثل قطر والإمارات تحقق نتائج أفضل نسبيًا، وهو ما يمكن تفسيره بارتفاع الإنفاق لكل تلميذ وسهولة إدارة النظام التعليمي. غير أن هذا العامل لا يفسر كل الفوارق، إذ تظهر دول ذات عدد سكان كبير مثل مصر والمغرب نتائج أضعف، بينما تسجل السعودية، رغم حجمها السكاني الكبير، تحسنًا ملحوظًا نتيجة إصلاحات تعليمية وهيكلية خلال السنوات الأخيرة. ويؤكد ذلك أن العامل الديمغرافي مهم، لكنه ليس عاملًا حاسمًا، كما يتضح في مقارنة المغرب بدول آسيوية ذات كثافة سكانية أكبر، وأن جودة الحوكمة التعليمية واستقرار السياسات البيداغوجية يلعبان دورًا أكثر تأثيرًا.

وبناءً على القراءة المتكاملة لهذه المؤشرات، يمكن استخلاص أن النظام التعليمي المغربي يواجه تحديين رئيسيين: ضعف الاستمرار الدراسي، وضعف جودة التعلم. فالمغرب ليس بعيدًا كثيرًا عن الدول العربية من حيث تعميم التمدرس في المرحلة الابتدائية، لكنه يتأخر بوضوح في ضمان الانتقال الناجح إلى التعليم الإعدادي والثانوي، كما يسجل مستويات مرتفعة من الفقر التعلمي وضعف الكفايات الأساسية. ويعكس ذلك فجوة بين التمدرس والتعلم، حيث يلتحق التلاميذ بالمدرسة لكنهم لا يكتسبون بالضرورة المهارات الضرورية للاستمرار والنجاح.

وتشير هذه المعطيات إلى أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يقتصر على توسيع الولوج أو تحسين نسب النجاح، بل يتطلب التركيز على جودة التعلم في السنوات الأولى، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين تكوين المعلمين، وتعزيز الاستقرار البيداغوجي، إضافة إلى تطوير مسارات تعليمية متنوعة تقلل الضغط على التعليم الثانوي الأكاديمي. وتُظهر التجارب المقارنة أن الدول التي نجحت في تحسين مؤشراتها التعليمية لم تعتمد فقط على زيادة الموارد، بل على إصلاحات هيكلية متكاملة تستهدف جوهر العملية التعليمية داخل الفصل الدراسي.

3- مقارنة المغرب بدول إفريقية وآسيوية صاعدة

يعرض الجدول 2 المقارن لمؤشرات التعليم في مجموعة من الدول الإفريقية والآسيوية الصاعدة، مع إدماج حجم السكان ومؤشرات الاستمرار الدراسي وجودة التعلم، صورة تركيبية تسمح بتقييم موقع المغرب ضمن فضاء أوسع يتجاوز المقارنة العربية. وتعتمد القراءة المنهجية لهذا الجدول على ثلاثة محاور مترابطة: الاستمرار الدراسي، جودة التعلم، والسياق الديمغرافي، وهي عناصر تكشف مجتمعة طبيعة الفجوة التعليمية بين المغرب وعدد من الدول ذات المسارات الإصلاحية المختلفة.

الجدول 2 مقارنة المغرب بدول إفريقية وآسيوية صاعدة

الدولة

السكان (مليون)

إتمام الإعدادي %

إتمام الثانوي %

تحت المستوى 2 PISA قراءة %

تحت المستوى 2 رياضيات %

الفقر التعلمي %

ملاحظات

المغرب

37

45–50

25–30

70–80

75–85

~60

فجوة تعلم مبكرة

رواندا

14

50–55

30–35

55–60

60–65

~45

إصلاح تدريجي

السنغال

18

40–45

20–25

70–75

75–80

~65

قريب من المغرب

جنوب إفريقيا

61

75–80

55–60

75–80

80–85

~80

جودة ضعيفة رغم الموارد

كينيا

55

70–75

45–50

60–65

65–70

~50

تحسن تدريجي

تركيا

85

90–92

65–70

30–35

35–40

~19

إصلاح مستمر

فيتنام

100

95–97

75–80

20–25

15–20

~10

إصلاح جذري ناجح

إندونيسيا

275

80–85

55–60

60–65

65–70

~35

نظام كبير يتحسن

ماليزيا

34

90–92

70–75

40–45

45–50

~20

جودة جيدة

سنغافورة

6

98–99

90–95

10–15

8–12

~3

نظام عالمي متقدم

تايلاند

71

85–88

60–65

55–60

60–65

~30

تحسن متوسط

التعليم الاولي بتركيا

أول ما يبرز من خلال الجدول هو أن المغرب يتموقع في مستوى متوسط مقارنة ببعض الدول الإفريقية، لكنه يتراجع بوضوح عند مقارنته بالدول الآسيوية الصاعدة. ففي مؤشر إتمام التعليم الإعدادي، يسجل المغرب نسبًا تتراوح بين 45 و50 في المائة، وهي قريبة من السنغال، وأقل من رواندا التي تصل إلى نحو 50–55 في المائة، كما تبقى بعيدة عن كينيا التي تتجاوز 70 في المائة. ويشير هذا المعطى إلى أن نقطة الضعف الأساسية في النظام التعليمي المغربي تبدأ مبكرًا في مرحلة التعليم الإعدادي، حيث تتزايد صعوبات التعلم وتتراكم الفجوات المعرفية التي تؤدي إلى الانقطاع الدراسي. ويؤكد ذلك مؤشر إتمام التعليم الثانوي، إذ لا تتجاوز النسبة في المغرب 25–30 في المائة، مقابل 45–50 في المائة في كينيا، و55–60 في المائة في جنوب إفريقيا، و70 في المائة تقريبًا في ماليزيا، وأكثر من 75 في المائة في فيتنام. ويعكس هذا التدرج أن الفجوة التعليمية تتسع تدريجيًا مع تقدم المسار الدراسي، ما يدل على ضعف قدرة النظام التعليمي المغربي على الاحتفاظ بالتلاميذ وضمان انتقالهم الناجح بين المراحل.

قسم التعليم الاولى باندونيسيا

لا يقتصر تحدي التعليم في المغرب على الهدر المدرسي، بل يمتد إلى جودة التعلم ذاتها، حيث يصل عدد كبير من التلاميذ إلى مستويات دراسية متقدمة دون امتلاك مهارات القراءة الأساسية.

غير أن قراءة نسب الإتمام وحدها لا تكفي كما العادة، إذ يمكن أن ترتفع هذه النسب دون أن يصاحبها تحسن في الكفايات الأساسية. لذلك يكتسي مؤشر الأداء في القراءة والرياضيات، عبر اختبارات دولية مثل PISA، أهمية خاصة. ويُظهر الجدول أن نسبة التلاميذ دون الحد الأدنى في القراءة مرتفعة في المغرب، حيث تتراوح بين 70 و80 في المائة، وهي نسبة قريبة من السنغال وجنوب إفريقيا، وأعلى من رواندا وكينيا، بينما تنخفض بشكل ملحوظ في الدول الآسيوية الصاعدة مثل ماليزيا وإندونيسيا، وتصل إلى مستويات منخفضة جدًا في فيتنام وسنغافورة. ويعني ذلك أن التحدي في المغرب لا يتعلق فقط بالهدر المدرسي، بل بجودة التعلم نفسها، إذ يصل عدد كبير من التلاميذ إلى مستويات دراسية متقدمة دون اكتساب مهارات القراءة الأساسية.

التعليم الابتدائي في سنغافورة

ويتعزز هذا الاستنتاج عند تحليل مؤشر الرياضيات، الذي يُعد أكثر حساسية في قياس التفكير التحليلي. فالمغرب يسجل نسبًا مرتفعة من التلاميذ تحت الحد الأدنى، تقارب 75–85 في المائة، وهي مستويات مشابهة لبعض الدول الإفريقية، لكنها أعلى بكثير من الدول الآسيوية التي نجحت في تحسين جودة تعليم الرياضيات، مثل ماليزيا وفيتنام. ويعكس ذلك أن ضعف القراءة المبكرة في المغرب ينعكس لاحقًا على تعلم الرياضيات والعلوم، وهو نمط تؤكده الأدبيات التربوية الدولية التي تربط بين الفهم القرائي والنجاح في المواد العلمية.

ومن جهة أخرى، يسمح إدماج مؤشر الفقر التعلمي بتفسير هذه الفجوة من جذورها. فالمغرب يسجل نسبة تقارب 60 في المائة من الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط في سن العاشرة، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بماليزيا التي تدور حول 20 في المائة، وفيتنام التي تنخفض إلى حوالي 10 في المائة، وسنغافورة التي لا تتجاوز بضعة في المائة. ويشير هذا المعطى إلى أن الفجوة التعليمية في المغرب تبدأ في السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، قبل أن تتفاقم لاحقًا في المرحلتين الإعدادية والثانوية.

كما يضيف إدماج عدد السكان بعدًا تحليليًا مهمًا. فالدول ذات عدد السكان الكبير مثل إندونيسيا وفيتنام استطاعت تحقيق نتائج أفضل من المغرب رغم التحديات الديمغرافية، ما يدل على أن حجم السكان ليس العامل الحاسم في جودة التعليم. ففيتنام، التي يتجاوز عدد سكانها مئة مليون نسمة، تسجل نسب إتمام مرتفعة وجودة تعلم قوية، بينما يظل المغرب، رغم عدد سكان أقل بكثير، دون هذه المستويات. ويعكس ذلك أهمية السياسات التعليمية المستقرة، والتركيز على القراءة المبكرة، والاستثمار في تكوين المعلمين، وهي عوامل تفسر نجاح عدد من الدول الآسيوية.

وتكشف المقارنة أيضًا أن جنوب إفريقيا، رغم مواردها الأكبر نسبيًا، تسجل مستويات مرتفعة من الفقر التعلمي وضعف القراءة، وهو ما يدل على أن الإنفاق المالي وحده لا يكفي لتحسين جودة التعليم. ويعزز ذلك الفرضية القائلة إن فعالية الحوكمة التعليمية واستقرار السياسات البيداغوجية يمثلان العامل الحاسم في تحقيق التحسن، وليس حجم الموارد فقط.

وبناءً على القراءة المتكاملة لهذه المؤشرات، يمكن استخلاص أن موقع المغرب في هذا الجدول يتميز بسمتين أساسيتين: ضعف الاستمرار الدراسي، وضعف جودة التعلم مقارنة بالدول الآسيوية الصاعدة. فالمغرب لا يختلف كثيرًا عن بعض الدول الإفريقية من حيث مؤشرات التعلم، لكنه يتأخر بوضوح عن نماذج إصلاحية مثل ماليزيا وفيتنام، ويبتعد أكثر عن الأنظمة التعليمية المتقدمة مثل سنغافورة. ويعكس ذلك فجوة بين التمدرس والتعلم، حيث يرتفع الالتحاق بالمدرسة دون أن يقابله تحسن مماثل في الكفايات الأساسية.

وتشير هذه النتائج إلى أن إصلاح التعليم في المغرب يتطلب التركيز على السنوات الأولى من التعلم، وتعزيز القراءة المبكرة، وتحسين تكوين المعلمين، وتقليص الاكتظاظ، وتوفير مسارات تعليمية متنوعة تقلل من الضغط على التعليم الأكاديمي. كما تُظهر التجارب المقارنة أن التحسن ممكن خلال فترة زمنية قصيرة إذا تم اعتماد إصلاحات متكاملة تستهدف جودة التعلم داخل الفصل الدراسي، وليس فقط مؤشرات الولوج أو نسب النجاح.

سر تفوق فيتنام في التعليم: كيف صنعت الجودة بموارد محدودة

يبدو تفوق فيتنام في مؤشرات جودة التعلم لافتًا، ليس لأنها دولة غنية أو تمتلك موارد تعليمية استثنائية، بل لأنها نجحت في تنظيم نظامها التعليمي حول هدف بسيط وواضح: أن يتقن كل تلميذ القراءة والحساب في السنوات الأولى. فبينما لا تتجاوز نسبة التلاميذ دون الحد الأدنى في القراءة والرياضيات في فيتنام نحو 15 إلى 25 في المائة، ترتفع هذه النسبة في المغرب إلى ما بين 70 و80 في المائة. كما يواصل حوالي ثلاثة أرباع التلاميذ في فيتنام دراستهم حتى نهاية الثانوي، مقابل أقل من الثلث في المغرب. وهذا الفارق لا يعكس اختلافًا في الإمكانات بقدر ما يعكس اختلافًا في طريقة بناء التعلم منذ البداية.

أن تفوق فيتنام لا يرتبط بارتفاع الإنفاق، إذ تخصص نحو 3% فقط من ناتجها الداخلي للتعليم مقابل حوالي 6% في المغرب، ما يدل على أن جودة التعلم ترتبط بكفاءة السياسات التعليمية وتركيزها على الأساسيات أكثر من ارتباطها بحجم الموارد المالية.

أول ما يميز التجربة الفيتنامية هو الاهتمام المبكر بالقراءة والفهم. فالمدرسة هناك تركز منذ السنوات الأولى على أن يتعلم الطفل القراءة بشكل جيد، لأن القراءة هي المفتاح الذي يفتح بقية المعارف. وعندما يتقن التلميذ القراءة، يصبح تعلم الرياضيات والعلوم أسهل وأكثر سلاسة. أما عندما ينتقل التلميذ إلى مستويات أعلى دون إتقان القراءة، فإن الصعوبات تتراكم سنة بعد أخرى، وهو ما يحدث في كثير من الأنظمة التي تسجل نتائج ضعيفة.

العامل الثاني يتعلق بالمعلم. ففي فيتنام يُنظر إلى المعلم باعتباره العنصر المركزي في جودة التعليم، لذلك يتم انتقاء المعلمين بعناية وتكوينهم بشكل جاد، مع متابعة مستمرة لأدائهم داخل القسم. كما يحصل المعلم على تدريب مستمر يساعده على تحسين طرق التدريس. وعندما يكون المعلم متمكنًا، يصبح التعلم أكثر وضوحًا، ويقل التعثر، وتتحسن النتائج حتى دون موارد كبيرة. كما تستفيد فيتنام من استقرار مناهجها التعليمية. فالمناهج لا تتغير باستمرار، بل تُبنى بشكل تدريجي يركز على الأساسيات، خاصة القراءة والرياضيات في السنوات الأولى. هذا الاستقرار يسمح للمعلمين بالتركيز على التعلم بدل التكيف المستمر مع تغييرات جديدة، كما يمنح التلاميذ مسارًا واضحًا ومتدرجًا لا يقطع التراكم المعرفي.

ومن العوامل المهمة أيضًا الانضباط المدرسي ووقت التعلم الفعلي. فالتلميذ في فيتنام يقضي وقتًا أطول في التعلم الحقيقي داخل القسم، مع متابعة دقيقة للحضور والإنجاز. كما تلعب الأسرة دورًا داعمًا قويًا، حيث يُنظر إلى التعليم باعتباره أولوية اجتماعية، ما يعزز دافعية التلاميذ ويشجعهم على الاستمرار.

ويُضاف إلى ذلك قوة التعليم العمومي. ففي فيتنام تعتمد أغلبية التلاميذ على المدرسة العمومية نفسها، وهو ما يرفع المستوى العام للنظام التعليمي ويقلل الفوارق بين التلاميذ. وعندما تكون المدرسة العمومية قوية، لا تصبح جودة التعليم مرتبطة بقدرة الأسرة المالية، بل تشمل معظم المتعلمين. كما أن استمرار التلاميذ في الدراسة يلعب دورًا مهمًا. فكلما واصل التلميذ تعليمه إلى نهاية الإعدادي والثانوي، زادت فرص اكتسابه المهارات الأساسية. أما عندما يغادر التلاميذ المدرسة مبكرًا، فإن جزءًا كبيرًا منهم يخرج دون امتلاك هذه المهارات، وهو ما ينعكس على المؤشرات العامة.

في النهاية، لا يعود تفوق فيتنام إلى عامل واحد، بل إلى منظومة متكاملة تركز على القراءة المبكرة، والمعلم الجيد، والمناهج المستقرة، والانضباط المدرسي، وقوة التعليم العمومي، وتقليل الهدر المدرسي. وتُظهر هذه التجربة أن تحسين جودة التعليم لا يتطلب بالضرورة موارد ضخمة، بل رؤية واضحة تضع تعلم التلميذ في قلب السياسات التعليمية.