بين "تغول" الحرس الخاص و"برج" الإدارة العاجي: من يفكك شيفرة "المعاناة" بالمستشفى الجامعي بفاس؟
بقلم: محرّر الشؤون المحلية والتحقيقات
يتحول الولوج إلى المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس (CHU)، في كثير من الأحيان، من رحلة بحث عن علاج إلى رحلة "إذلال" ممنهج يقف خلفها سدّ منيع من "بدلات سوداء" تابعة لشركات الحرس الخاص. هناك، حيث يُفترض أن تكون الرحمة هي العنوان، يصطدم المريض وأهله بواقع مرير يحكمه منطق "المنع والتحكم"، وسط تساؤلات مشروعة عمن يمنح هؤلاء "الحراس" سلطة تتجاوز أحياناً سلطة القانون والقيم الإنسانية.
الحرس الخاص.. هل هم "دولة" داخل الدولة؟
المشهد في أبواب المستشفى بات مألوفاً ومؤلماً في آن واحد؛ حراس يمارسون "التغول" بشتى أشكاله، يقررون من يدخل ومن يظل مرابطاً تحت أشعة الشمس أو برد الشتاء. هذا التغول يطرح تساؤلات حارقة يهمس بها المرتفقون في ممرات المشفى: هل يستمد هؤلاء نفوذهم من قوة الشركات التي تشغلهم؟ أم أن هناك "تفاهمات" خفية وتقاسم "لغنائم" (بالمعنى الرمزي أو المادي) بين مسؤولي الشركات وبعض القائمين على تدبير المؤسسة؟
بصفتنا سلطة رابعة، ومن حقنا المهني والوطني أن أتساءل للوصول إلى الحقيقة: ما الذي يجعل "السيكوريتي" هو الآمر والناهي في فضاء عمومي؟ وهل تحولت صفقات الحراسة إلى "ريع" يمنح أصحابه نفوذاً يحمي التجاوزات ويخرس لسان المحاسبة؟
إدارة المركز.. "سياسة الأبواب المغلقة"
وفي الوقت الذي يشتعل فيه غضب المواطنين وصيحات المرضى، يبدو أن إدارة المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني قد اختارت "العزلة" كمنهج للتدبير. فالمكاتب الفسيحة والقاعات المكيفة أصبحت حصوناً تمنع وصول صوت المواطن المقهور.
عندما تحاول كصحفي أو كمواطن متضرر طرق باب الإدارة، تجد الجواب الجاهز دوماً: "المدير في اجتماع".. اجتماع قد يكون داخلياً أو خارجياً أو "خارج التغطية" تماماً عن هموم المرفق. غياب التواصل المباشر، ورفض استقبال الشكايات، وعدم الاكتراث بما يكتبه الإعلام أو ما تصرخ به حناجر المظلومين في الردهات، يعطي انطباعاً واحداً لا ثاني له: "من أراد أن يموت فليمت.. المهم أن تبقى جدران المكاتب صامتة".
هل سقطت قيم الإدارة العمومية؟
إن حالة "التغول" التي نشهدها في إدارة هذا المرفق الحيوي بفاس، تفتح نقاشاً أوسع حول واقع مديري الإدارات العمومية في المغرب. هل وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها "الكرسي" أسمى من "الخدمة"؟ وكيف يمكن لمدير مؤسسة صحية حساسة أن يحبس نفسه عن واقع يئن تحت وطأة سوء التدبير واعتداءات الحراس وجشع الوسطاء؟
الاستهتار بشؤون المرضى وذويهم ليس مجرد تقصير إداري، بل هو طعنة في جوهر مشروع "الدولة الاجتماعية" الذي يطمح إليه المغرب. فالإدارة التي لا تسمع، ولا ترى، ولا تفتح أبوابها، هي إدارة تعيش خارج السياق الزمني والسياسي للبلاد.
كلمة لا بد منها
إن ما يحدث في المستشفى الجامعي بفاس يستوجب تحركاً عاجلاً من وزارة الصحة ومن الجهات الرقابية. إننا لا نهاجم الأشخاص، بل ننتقد "العقلية" التي تدير المرفق. من حقنا كصحفيين أن نسائل "النفوذ"، ومن حق المواطن أن يجد إدارة تستقبله وحرساً يحميه لا يقمعه.
فهل من مجيب، أم أن "الاجتماع" سيظل قائماً إلى ما لا نهاية، بينما تضيع كرامة المرضى عند أبواب المستشفى؟