"تاكسيات" فاس.. حينما تمارس "الصغيرة" دور "الكبيرة" في فوضى النقل الحضري
بقلم: محرّر الشؤون المحلية
تعيش شوارع العاصمة العلمية فاس على وقع مفارقة غريبة في قطاع النقل، باتت تثير حنق المواطنين وتطرح أكثر من علامة استفهام حول دور الجهات الوصية في تنظيم هذا المرفق الحيوي. فبينما يُفترض في "سيارة الأجرة الصغيرة" (الصنف الثاني) أن تكون وسيلة نقل مرنة تجوب الأزقة والدروب لخدمة الزبائن بـ"العدّاد"، تحول جزء كبير من أسطولها بمدينة فاس إلى ما يشبه "حافلات مصغرة" أو سيارات أجرة كبيرة، تفرض مسارات محددة مسبقاً وترفض نقل المواطنين إلى وجهتها الخاصة.
تغول "الخطّافة" المقنّعين
لم يعد سراً أن ركوب سيارة أجرة صغيرة بفاس بات يتطلب "مفاوضات" ماراثونية قبل الصعود. فالسائق، وفي خرق سافر للقانون، يختار الوجهات التي تدرّ عليه ربحاً سريعاً من خلال ملء المقاعد الثلاثة بزبائن متفرقين يتجهون لنفس النقطة (مثل طريق صفرو، بنسودة، أو وسط المدينة)، محولاً سيارته إلى "طاكسي كبير" بوجوه متعددة، بينما يظل المواطن البسيط، الذي يرغب في التوجه إلى حي جانبي أو زقاق ضيق، منبوذاً على رصيف الانتظار.
هذا الوضع خلق حالة من "العشوائية المنظمة"، حيث تُرك السواد الأعظم من الساكنة تحت رحمة مزاجية بعض السائقين الذين استأنسوا الربح السهل على حساب جودة الخدمة والالتزام بدفتر التحملات.
نموذج مكناس.. هل هو الحل؟
في ظل هذا التخبط، بدأت تتعالى أصوات من داخل البيت الفاسي تدعو السلطات المحلية بـ"ولاية جهة فاس مكناس" إلى تكرار تجربة الجارة مكناس. هناك، تم الفصل بوضوح وبحزم بين مهام الصنفين؛ حيث يُسمح لسيارات الأجرة الكبيرة (الصنف الأول) بالعمل بنظام "الخطوط" بين الأحياء الكبرى والمجمعات السكنية، مما يوفر نقلاً جماعياً سريعاً وبثمن قار، ويخفف الضغط على الحافلات.
في المقابل، تفرغت سيارات الأجرة الصغيرة بمكناس لدورها الأصلي: "التجوال في الشوارع والأزقة" ونقل الزبائن إلى الوجهات الدقيقة التي يطلبونها، مع الالتزام التام بالتعرفة التي يحددها العداد، دون انتقائية أو "مزايدات".
دعوات لإجراءات صارمة
إن إصلاح قطاع النقل بفاس لا يتطلب "حلولاً ترقيعية"، بل يستدعي تدخلاً حازماً من السلطات المحلية عبر إجراءين متوازيين:
- تقنين عمل الصنف الأول: السماح لسيارات الأجرة الكبيرة بربط الأحياء المتباعدة (مثل ربط زواغة بالدكارات أو طريق عين الشقف بالمدينة القديمة)، مما سيسحب البساط من تحت "الصغيرة" التي تستغل هذا الخصاص للعمل خارج القانون.
- المراقبة والمحاسبة: تفعيل دوريات شرطة المرور لمراقبة التجاوزات المتعلقة بالامتناع عن نقل الزبائن أو فرض وجهات معينة، وضمان عودة سيارة الأجرة الصغيرة إلى وظيفتها الأساسية كخدمة "من الباب إلى الباب".
و الخلاصة، أن العاصمة العلمية، التي تستعد لاستحقاقات كبرى وتنموية، لا يمكنها أن تظل رهينة لمنطق "الفوضى" في النقل. المواطن الفاسي يستحق نظاماً يحترم وقته وكرامته، وسلطات قادرة على فرض القانون ووضع حد لظاهرة "الطاكسي الصغير الذي يتقمص دور الكبير". فهل تجرؤ سلطات فاس على استنساخ نجاح "نموذج مكناس" لإنهاء معاناة المواطنين؟