إضراب سائقين حافلات ( سيتي باص ) يعري واقع النقل المهترئ بالعاصمة الإسماعيلية
تعيش مدينة مكناس على وقع شلل شبه تام في حركتها الاقتصادية والاجتماعية، إثر قرار عمال ومستخدمي شركة "سيتي باص" المفوض لها تدبير قطاع النقل الحضري، الدخول في إضراب مفتوح عن العمل ورفض الالتحاق بمستودع الحافلات. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية، المفاجئة في توقيتها والمنتظرة في سياقها، لتعيد إلى الواجهة أزمة النقل العميقة التي ترخي بظلالها على العاصمة الإسماعيلية منذ سنوات، واضعةً مصالح آلاف المواطنين في كف عفريت وسط تبادل للاتهامات بين الشغيلة، إدارة الشركة، والمجالس المنتخبة.
ينطلق هذا الاحتجاج الميداني من أرضية مطلبية صرفة، حيث يشتكي العمال من تأخر صرف مستحقاتهم المالية وأجورهم الشهرية لعدة شهور متتالية، وهو ما تسبب في أزمات معيشية خانقة لآلاف الأسر التي يعيلها هؤلاء الأجراء. ولم يقف الأمر عند حدود التعثر المالي، بل يتحدث ممثلو الشغيلة بنبرة غاضبة عن تدهور بيئة العمل وغياب شروط السلامة المهنية، بالإضافة إلى تسجيل حالات طرد وتوقيف اعتبروها تعسفية واستفزازية استهدفت عدداً من السائقين والتقنيين الذين جهروا بمطالبهم المشروعة. هذا الاحتقان العمالي المتراكم دفع الهيئات النقابية إلى إعلان قرار المقاطعة الشاملة، معتبرين أن لجوءهم إلى الشارع وتوقيف العجلات هو الخيار الأخير المتبقي بعد انسداد قنوات الحوار وتملص الجهات المعنية من وعودها السابقة.
على الجانب الآخر من المشهد، يتجرع المواطن المكناسي المرارة الأكبر جراء هذا التوقف المفاجئ. فقد وجدت فئات واسعة من الساكنة، وبشكل خاص طلبة جامعة مولاي إسماعيل وتلاميذ المؤسسات التعليمية والموظفين والعمال، أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عزلة حقيقية داخل حواضرهم. واضطر الآلاف إلى الانتظار لساعات طويلة في محطات الحافلات الفارغة، قبل أن يجدوا أنفسهم مجبرين على التكدس في طوابير غير منتهية أمام محطات سيارات الأجرة الكبيرة والصغيرة، والتي شهدت ضغطاً رهيباً يفوق طاقتها الاستيعابية بكثير، مما دفع ببعض أصحاب "التاكسيات" إلى استغلال الوضع ورفع تسعيرة التنقل في غياب المراقبة الصارمة، وهو ما أثقل كاهل الأسر المكناسية بمصاريف إضافية غير متوقعة.
لا يمكن قراءة هذا الإضراب كحدث معزول، بل هو النقطة التي أفاضت كاس أزمة هيكلية يعيشها قطاع النقل بمكناس. فمنذ فترة طويلة، يسود استياء عارم بين السكان بسبب الحالة المتردية لأسطول "سيتي باص"، حيث تحولت جل الحافلات إلى ما يشبه "علب حديدية مهترئة" تفتقر لأدنى معايير الراحة والأمان، وتتكرر أعطابها الميكانيكية بشكل يومي في عرض الشوارع، متسببة في حوادث سير واختناقات مرورية متكررة. هذا الوضع جعل التدبير المفوض للنقل في المدينة محط انتقادات لاذعة من طرف فعاليات المجتمع المدني والحقوقي، التي طالما طالبت بفسخ العقد مع الشركة الحالية ومساءلتها عن عدم الالتزام ببنود دفتر التحملات، وتجديد الأسطول بما يحفظ كرامة المواطنين.
أمام هذا الوضع المتفجر، يظل موقف المجلس الجماعي لمكناس والجهات الوصية على القطاع محط تساؤل وترقب كبيرين. فرغم اللقاءات الماراطونية السابقة وجلسات الصلح التي تُعقد تحت إشراف السلطات المحلية لتقريب وجهات النظر بين المركز النقابي وإدارة الشركة، إلا أن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً أمام عمق الأزمة المادية للشركة وتصلب مواقف الأطراف المتنازعة. وأصبح من الواضح أن إنهاء هذه المعاناة اليومية يتطلب قرارات سياسية واستثمارية شجاعة، تقطع مع التدبير المؤقت وتضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الضيقة، لإنقاذ المدينة من حالة السكتة القلبية التي هددت سلامتها الاجتماعية في هذا المنعطف الحرج.