الطلبة الدكاترة بالمغرب: عندما تحوّل "البيروقراطية" المنحة الهزيلة إلى "أغلال" قهر اجتماعي
**بقلم/ ابو العز عزيز
في الوقت الذي تتبجح فيه الشعارات الرسمية بإصلاح منظومة التعليم العالي ودعم البحث العلمي كرافعة للتنمية، يجد "الطلبة الدكاترة" أنفسهم في فوهة مدفع الإهمال والتماطل البيروقراطي. واقع مأزوم يعيشه هؤلاء الباحثون الذين باتوا يواجهون مفارقة عجيبة: عاتق مهني مثقل بمسؤوليات الأساتذة، ومستحقات مالية تُصرف بـ "المزاجية"، وشروط تعاقدية أقرب ما تكون إلى عقود "الإذعان".
حتى لحظة خط هذه الأسطر، ودخول شهر يونيو مكانه، لم يتوصل الطلبة الدكاترة بأجرهم (المنحة) الخاص بشهر **ماي 2026**. تأخير لم يعد استثناءً بل أضحى قاعدة تكرسها الإدارة الوصية متى شاءت وكيفما شاءت، دون أدنى مراعاة للالتزامات الاجتماعية والإنسانية لهؤلاء الباحثين.
## منحة أم "أجر مقنع"؟.. التزامات الأساتذة وتعويضات "الفتات"
المفارقة الأولى والصادمة في ملف دكاترة المستقبل تكمن في المسمى الإداري؛ فالوزارة تصر على تسمية المبالغ المرصودة لهم بـ **"المنحة"**، لتتهرب -ربما- من التزامات قانون الشغل وحقوق الأجراء، لكنها في المقابل تفرض عليهم التزامات "أجر كامل غير منقوص".
لقد أضحى الطالب الدكتور لزاماً عليه:
* المرابطة داخل أسوار الكليات طيلة اليوم للقيام بمهام **التدريس**.
* تحمل ضغط **حراسة ومراقبة الامتحانات**.
* **تصحيح مئات الأوراق** وتدبير قاعات الدرس، وغيرها من المهام الإدارية والبيداغوجية الشاقة.
تتعامل الإدارة مع الطالب الدكتور كأستاذ كامل المسؤولية حين يتعلق الأمر بالواجبات، وتتذكر أنه مجرد "طالب" يطلب استجداءً حين يحل موعد صرف المستحقات!
## شروط تعجيزية.. ممنوع من العمل ومحكوم بـ "الانتظار"
تزداد قتامة المشهد عندما ندرك حجم القيود القانونية المفروضة على هؤلاء الطلبة؛ إذ وقعوا على التزامات حاسمة تمنعهم منعا كليا من ممارسة أي نشاط مهني أو مدر للدخل خارج أسوار الجامعة، ويحظر عليهم تلقي "سنتيم واحد" من أي جهة أخرى غير وزارة التعليم العالي.
هذا الحصار المالي والمهني يضع الطالب أمام فوهة "العدمية الاجتماعية":
* **أين المفر؟** لمن يضطر للتنقل يومياً بين المدن ليؤدي واجبه المهني في التدريس؟
* **كيف العمل؟** لمن يعيل عائلة، أو يدفع سومة كرائية لمنزل يضمه، أو يواجه متطلبات الحياة المعيشية اليومية لـ "أولاده"؟
إن صرف هذا "الأجر الهزيل" في منتصف الشهر -في أحسن الأحوال- أو حجب الإفراج عنه لأكثر من أربعة أشهر في أحيان كثيرة، ليس مجرد تماطل إداري، بل هو ضرب من العبث والقهر الاجتماعي لـ "نخبة المجتمع" التي كان يجدر بالدولة حمايتها وتوفير سبل العيش الكريم لها لتتفرغ للبحث العلمي والابتكار.
## مغادرة "مستحيلة".. معادلة "الحماق" البيروقراطي
أقصى درجات "العبث والجنون الإداري" تتجلى عندما يقرر الطالب الدكتور، الذي أعياه هذا الوضع المزري وأنهكته سياسة المماطلة، أن يغادر هذه المنظومة ويبحث عن كرامته في مكان آخر. هنا تحاصره الإدارة بشرط غريب: **"أدِّ كل ما أخذته من الإدارة لتسترجع حريتك!"**
وهنا يطرح السؤال الاستنكاري نفسه وبقوة: **ألم يكن هذا الطالب يعمل؟** ألم يقض الساعات الطوال في المدرجات وقاعات الامتحانات؟ ألم يستنزف طاقته وصوته وصحته في تدريس وتأطير الطلبة وتصحيح مئات الأوراق؟ بأي منطق قانوني أو أخلاقي يُطالب المرء بإعادة تعويضات عن عمل مادي وفكري ملموس قدمه طيلة أشهر أو سنوات؟
## خاتمة: "الحماق هذا!"
إن ما يحدث في دهاليز وزارة التعليم العالي تجاه الطلبة الدكاترة هو تجسيد حي لـ "الحماق البيروقراطي". إن الاستمرار في نهج سياسة التماطل، واحتجاز مستحقات شهر ماي 2026 إلى حدود الساعة، هو استهتار صريح بمستقبل الجامعة المغربية.
الكرامة لا تتجزأ، ونخبة الوطن العلمية تستحق بيئة محفزة، لا منظومة تحول "الباحث" إلى "مياوم" محروم من أبسط حقوق الاستقرار المالي والنفسي. لقد حان الوقت لتطهير هذا الملف من العبث، والإفراج الفوري عن مستحقات الطلبة، وإعادة النظر في الوضعية القانونية والاعتبارية لـ "الدكاترة الباحثين" قبل أن تفرغ الجامعات من كفاءاتها.