الدكتور احمد اويحمان : باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع
*كلمات* في منكر " السنة الأمازيغية" وبهتان "الفرعون !المغربي" شيشناق !
*هكذا يمهد الاستعمار المعرفي للاستيطان المباشر الذي شرعوا فيه* أحمد ويحمان
إننا اليوم ليس أمام اختلاف ثقافي مشروع، ولا أمام نقاش هوياتي صحي، بل أمام لحظة خطيرة من لحظات الاستعمار
المعرفي حين يصبح أخطر من الاستعمار العسكري نفسه . فالاحتلال المباشر يُواجَه ويُقاوَم، أما حين يُزرَع في العقول،
ويتخفّى في الرموز، ويتسلل عبر الثقافة والذاكرة، فإنه يتحول إلى اختراق ماحق يصعب الانتباه إليه إلا بعد أن يكون قد
ترسّخ، ونحيل هنا إلى كلمات سابقة عن نظرية الضفدع المطبوخ .
وما يجري في السنوات الأخيرة ببلادنا المغرب، وما يجري هذه الأيام، في سياق التهيئة والاحتفاء الرسمي بما يُسمّى
زورًا «السنة الأمازيغية»، ليس حدثًا معزولًا ولا بريئًا، بل حلقة ضمن مسار مدروس لإعادة هندسة الوعي، عبر
فرض تقويم غريب عن الذاكرة الجماعية، وربطه برمز مثل الفرعون المصري شيشناق، الذي لا توجد أية علاقة له لا
بتاريخ المغاربة، ولا بإمازيغن، ولا بالسنة الفلاحية التي شكّلت عبر قرون المرجع الزمني الزراعي للمغاربة، عربًا
وأمازيغ على حد سواء .
لقد كشف الباحث البريطاني كيث وايتلام، في أطروحته حول «اختراع إسرائيل القديمة»، أن أخطر أشكال الاستعمار
هي تلك التي تبدأ من صناعة سردية تاريخية زائفة، تُقدَّم كحقيقة علمية، ثم تُستعمل لتبرير مشروع سياسي. فالتاريخ
هنا لا يُكتب لفهم الماضي، بل يُختلَق لخدمة الحاضر ورهن المستقبل، والهوية لا تُستعاد، بل تُصنَع لتؤدي وظيفة.
وهكذا لا يجري فقط اختراع «ذات» متخيلة، بل يتم في الوقت نفسه إسكات تاريخ كامل وإقصاء شعب من ذاكرته.
هذه الآلية نفسها نراها اليوم تُستنسخ في خطاب ما يسمى «تامازغا الكبرى»؛ أحد الأقطاب في نظرية " الأقطاب
الأربعة " في التخطيط الاستراتيجي الصهيوني الجديد ( إسرائيل الكبرى .. كردستان الكبرى .. بلاد النوبة الكبرى [
بخلفية ما يجري اليوم في السودان ] وتامازغا الكبرى . ) .
فكما جرى اختراع «إسرائيل القديمة» بوصفها كيانًا تاريخيًا مفترضًا يُسقَط على الجغرافيا لتبرير الإحلال والاستيطان،
يُعاد اليوم إنتاج فضاء هوياتي فوق-وطني، مفصول عن تاريخ المغرب الحقيقي، ومشحون بدلالات سياسية خطيرة،
ليؤدي دور الهوية الوظيفية في أجندة الاختراق الصهيوني.
ولأن كل أسطورة تحتاج إلى زخارفها، جرى استدعاء رموز متنافرة: الكاهنة ديهيا، الفرعون المصري شيشناق، وما
يُسمّى "نبي الأمازيغ" بن طريف بن شمعون، وقرآن بورغواطة… خليط انتقائي لا يجمعه منطق علمي ولا سياق
تاريخي، بل يجمعه فقط الاستعمال الإيديولوجي. والسؤال البسيط الذي يُراد إسكاتُه : *ما علاقة هذه الرموز بالمغرب؟
وبالمغاربة؟ وبإمازيغن* الذين تشكّلت هويتهم التاريخية في حضن الإسلام، وتداخلت عروبتهم وأمازيغيتهم دون صراع
ولا وسطاء؟.
إن الخطير في هذه اللحظة ليس فقط ترويج الأسطورة، بل مجاراة الدولة لتيار التأمزغ المتصهين، عبر تبنّي رموز
وسرديات تقوم – في عمقها – على منطق قريب من منطق التقديس التوراتي للأرض، والادعاء الرمزي بالسبق
والاصطفاء، وهي الآلية نفسها التي مهّدت للاستيطان في فلسطين: أسطورة، ثم رمز، ثم تقويم، ثم «حق تاريخي»
مزعوم. وها هم، في حضور الحاخامات وضباط جيش الحرب الصهيوني بدأوا في ادعاء السبق إلى المغرب .. وها هي
اليهودية المتصهينة نيكول لغريسي تصرخ بها في وجهنا بكل فضوح !
.. وفي مقابل هذا التقويم المفروض من فوق، تظل السنة الفلاحية هي الذاكرة الزمنية الثقافية الحقيقية للمغاربة، ذكرى
وطنية جامعة للأمازيغ والعرب على حد سواء، عاشها الناس في الحقول والقرى، لا في المختبرات الإيديولوجية.
ومن المهم، في هذا السياق، التذكير، مرة أخرى، لما أشار إليه الناشط الأمازيغي والباحث الجزائري، إبراهيم
تازاغارت، من أن حسم الجدال في هذا التقويم الهجين، لم يكن نتيجة نقاش مجتمعي، بل حُسم بتدخل مثقفة يهودية ؟!
(ذات خلفية صهيونية) .. هذه " شهادة من أهلها "، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا : *من يصنع ذاكرتنا اليوم؟ ولصالح
من؟*
*آخر الكلام*
إنه حين يُصنَع التاريخ لخدمة السياسة، أو بالأحرى حين يُزوّر التاريخ لخدمة المشروع الاستعماري وتُختلَق الهوية
لتؤدي وظيفة، لا نكون أمام تنوّع ثقافي، بل أمام مشروع اختراق ماحق. وحين تُستعمل الأمازيغية، المفترى عليها،
جسراً للاختراق الصهيوني، فإن الواجب لا يكون الصمت ولا المجاملة، بل التسمية والفضح. ففي هذه الحرب الفكرية،
لا حياد : إمّا ذاكرة الشعوب كما هي، أو أساطير المستعمر حين يُعيد إنتاج نفسه بثياب محلية.
إننا اليوم أمام معركة وعي مفتوحة وطويلة النفس، لا تقل خطورة عن أي معركة سيادية أو سياسية مباشرة. ومن هنا
فإن المسؤولية لا تقع على عاتق فئة دون أخرى، بل هي دعوة مفتوحة ودائمة إلى الجميع، نقول جميع المغربيات
والمغاربة، ولاسيما حرائر وأحرار إمازيغن، للتصدي اليومي لهذا المخطط وأجنداته : بالرفض الواضح، وبالفضح
المستمر، وبالخروج من الصمت القاتل وبالكلام… الكلام… ثم الكلام، دون كلل، ودون انتظار المناسبات، لأن
الاستعمار حين يتخفّى في ثوب الهوية لا يُهزم إلا بوعي يقظ، متواصل، ومصمم .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .