الوضع الليلي
Image
  • 07/03/2026
الشرق الأوسط بين صراع الهيمنة وغياب الرؤية الاستراتيجية العربية

الشرق الأوسط بين صراع الهيمنة وغياب الرؤية الاستراتيجية العربية

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي

 الملخص

يتناول هذا المقال خلاصة تحليلية لمحاضرة ألقاها الأستاذ وضاح خنفر، رئيس منتدى الشرق، في إطار جلسة جديدة من ديوان الشرق بعنوان «الحق والميزان: رؤية لعالم يتشكل». ويقدّم فيها قراءة للمشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط في ضوء الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، رابطًا ذلك بسياق أوسع من التحولات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة. ويشير إلى أن الخطاب السياسي الإسرائيلي يستحضر أحيانًا سرديات دينية وتاريخية لتأطير الصراع بوصفه مواجهة وجودية، بما يمنحه بعدًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية. ويرى التحليل أن ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن نمط متكرر في السياسة الدولية يتمثل في الاستفراد بالقوى الإقليمية الكبيرة واحدة تلو الأخرى. فقد كان العراق في العقود الماضية هدفًا لحروب شُنّت تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل كيميائية، بينما تُطرح إيران اليوم في سياق مشابه تحت عنوان الخطر النووي. ووفق هذا المنظور، فإن إضعاف هذه القوى يفتح المجال لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يخدم ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية في الشرق الأوسط. كما يلفت المقال إلى أن هذا المسار يجري في ظل موقف سلبي وغير استراتيجي لدول الخليج عمومًا، إذ ما تزال هذه الدول تراهن على مظلة الحماية الأمريكية عبر القواعد العسكرية المنتشرة في أراضيها. غير أن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة هذا التصور؛ فقد تعرضت بعض هذه القواعد لضربات إيرانية مباشرة وقوية خلال الأيام الأولى من المواجهة، دون أن تتمكن الولايات المتحدة من منع استهدافها أو توفير حماية كاملة لها. وهذا يطرح تساؤلًا جوهريًا: إذا كانت هذه القواعد نفسها عرضة للقصف في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة، فكيف يمكن التعويل عليها لضمان أمن الدول المضيفة لها؟ إن هذا الواقع يكشف مفارقة واضحة بين الرهان السياسي على الحماية الخارجية وبين حقيقة موازين القوة على الأرض، ويبرز الحاجة إلى مقاربة استراتيجية أعمق تتجاوز الاكتفاء بالمظلة العسكرية الأجنبية. ويخلص المقال إلى أن قراءة هذه الأحداث تتطلب منظورًا استراتيجيًا يتجاوز الانفعالات الآنية وردود الفعل السريعة، لأن ما يجري لا يتعلق بصراع عسكري محدود فحسب، بل بمرحلة إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط. فالتاريخ يُظهر أن اللحظات التي تُفكَّك فيها القوى الإقليمية الكبرى غالبًا ما تكون لحظات إعادة تشكيل للنظام الإقليمي كله. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمصير نظام سياسي هنا أو هناك، بل بمستقبل التوازنات في المنطقة برمتها: من سيملأ الفراغ، وبأي مشروع سياسي واستراتيجي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الشرق الأوسط في العقود القادمة.

خلاصة تحليلية لمحاضرة وضاح خنفر

 

في خطابه الأخير لاعلان الحرب على الجمهورية الاسلامية الايرانية، لم يكتفِ بنيامين نتنياهو بالإعلان عن موقف عسكري أو سياسي، بل استحضر رمزًا دينيًا ذا حمولة تاريخية عميقة في الوعي اليهودي. فقد تزامن خطابه مع بداية طقوس دينية يهودية تُقرأ فيها “سفر إستير” في الكُنس حول العالم، تمهيدًا لعيد “بوريم”، الذي يخلّد – وفق الرواية التوراتية – نجاة اليهود في بلاد فارس من مؤامرة لإبادتهم، وانقلاب الموازين لصالحهم.

أهمية هذا الاستحضار لا تكمن في القصة ذاتها، بل في رمزيتها السياسية. فالرواية التوراتية تُقدِّم نموذجًا لصراع وجودي يُصوَّر فيه اليهود كجماعة مهدَّدة بالإبادة، ثم تتحول المعادلة إلى تفويض بالانتقام والدفاع الشامل. وعبر التاريخ الديني اليهودي، ارتبطت هذه السردية بمفهوم “العماليق”، الذي تحوّل من توصيفٍ لقبيلة تاريخية إلى رمزٍ دائم لكل عدو يُنظر إليه باعتباره خطرًا وجوديًا يستوجب الاستئصال. عندما يُستحضر هذا الرمز في خطاب سياسي معاصر، فإن الرسالة تتجاوز البعد التعبوي إلى مستوى التأصيل العقدي للصراع. إذ يجري تأطير المواجهة بوصفها امتدادًا لمعركة تاريخية مقدّسة، لا مجرد نزاع سياسي قابل للحل أو التسوية. وهنا تكمن خطورة التداخل بين النص الديني والقرار السياسي، لأن استدعاء مفهوم “الحق الإلهي” في الحرب يمنح الصراع بُعدًا مطلقًا، يُضعف إمكانات التفاوض ويُقصي الاعتبارات الإنسانية والقانونية الحديثة.

نتنياهو يدير الكيان من منطق الدولة الحديثة القائمة على المصالح والقانون الدولي، إلى منطق السردية المقدسة التي تُحيل الصراع إلى قدر تاريخي. لذا السؤال الجوهري : هل نحن أمام نزاع سياسي يمكن احتواؤه، أم أمام صراع يُعاد تعريفه باعتباره تنفيذًا لوعدٍ ديني؟

اللافت أن هذا الخطاب لا يقتصر على الداخل الإسرائيلي، بل يجد صداه في بعض التيارات الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، التي تتبنى قراءة حرفية لنصوص توراتية تتحدث عن “الأرض الموعودة” الممتدة من الفرات إلى النيل، وتعتبر تحقيق هذه الرؤية جزءًا من مخطط إلهي. إن توظيف الرموز الدينية القديمة في سياق سياسي معاصر يعكس تحوّلًا في طبيعة الخطاب: من منطق الدولة الحديثة القائمة على المصالح والقانون الدولي، إلى منطق السردية المقدسة التي تُحيل الصراع إلى قدر تاريخي. وهذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام نزاع سياسي يمكن احتواؤه، أم أمام صراع يُعاد تعريفه باعتباره تنفيذًا لوعدٍ ديني؟

 

نحن أمام مفارقة لافتة: مسؤول في دولة حديثة يُفترض أنها تحتكم إلى القانون الدولي وسيادة الدولة، يتبنى خطابًا يستند إلى مفهوم “الحق الإلهي”. وهكذا تنتقل المرجعية من قواعد القانون الدولي إلى تأويلات دينية تُستخدم لتبرير السياسات والحروب.

إن قراءة الخطاب في ضوء هذه الرمزية تكشف أن المسألة لا تتعلق بمجرد استعارة بلاغية، بل بإعادة صياغة الصراع ضمن إطار لاهوتي يمنحه شرعية مطلقة، وهو ما يستوجب تحليلًا نقديًا هادئًا، يتجاوز الانفعال، ويكشف أثر هذه المرجعيات في تشكيل القرارات السياسية المعاصرة. نحن أمام مفارقة عميقة؛ فرجلٌ يفترض أنه يمثل دولة حديثة تعترف بمفهوم الدولة الوطنية وحدودها، وتحتكم إلى القانون الدولي وإلى منظومة الأمم المتحدة، يتحدث بلغة تستند إلى ما يُسمّى “الحق الإلهي”. في هذا الخطاب، لم يعد القانون الدولي هو المرجعية، ولا سيادة الدولة الوطنية هي الإطار الناظم، بل أصبحت القراءة الحرفية لنصوص دينية قديمة هي الأساس الذي يُستند إليه في تبرير السياسات والحروب.

النصوص الدينية كانت موجودة دائمًا في سياقاتها التعبدية والوعظية، داخل المعابد وبين المتدينين، لكنها لم تكن تتحول إلى دستور سياسي يُستحضر حرفيًا لتبرير قرارات عسكرية معاصرة. الجديد اليوم هو انتقال هذه السرديات من المجال اللاهوتي إلى المجال السيادي؛ أي من فضاء العقيدة إلى فضاء الدولة. وعندما يُستحضر مفهوم “إبادة العماليق” باعتباره تنفيذًا لأمر إلهي، فإن المسألة لا تُطرح بوصفها خيارًا سياسيًا، بل بوصفها واجبًا تعبديًا. وهنا يكمن التحول الأخطر: تحويل الحرب من صراع مصالح إلى أداء تكليفي ذي بعد ديني. الأكثر دلالة أن هذا الخطاب لا يصدر فقط عن سياسيين إسرائيليين، بل يجد صداه في بعض التيارات الصهيونية المسيحية داخل الولايات المتحدة، حيث يُعاد إنتاج مفهوم “الأرض الموعودة” بوصفه تفويضًا تاريخيًا بالسيطرة على المجال الممتد “من النيل إلى الفرات”. وعندما يصدر مثل هذا التصور عن مسؤولين رسميين أو يُتسامح معه سياسيًا، فإننا نكون أمام تآكل واضح لمنطق الدولة الحديثة لصالح سردية خلاصية مطلقة.

أما على مستوى الحرب الدائرة، فإن توقيتها وسياقها يثيران تساؤلات جوهرية. فالمواجهة اندلعت في ظل مسار تفاوضي كان قائمًا، بل بعد جولات أُعلن فيها عن تقدم ملموس. وقد قُدمت، وفق التصريحات العلنية، تنازلات تقنية تتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة الدولية. إذا صحّ ذلك، فإن تفسير الحرب بوصفها نزاعًا تقنيًا حول الملف النووي يصبح قاصرًا. الأرجح أننا أمام صراع أوسع يتصل بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. إسرائيل، خلال السنوات الأخيرة، خاضت مواجهات متعددة: في غزة، ولبنان، ومع أطراف إقليمية أخرى. لكنها، رغم إضعاف خصومها، لم تصل إلى حالة حسم نهائي يكرّس تفوقًا استراتيجيًا مطلقًا. والواقع أن تقليص قدرات الخصوم لا يعني إنهاء قدرتهم على التعافي أو إعادة التموضع. ومن ثمّ، فإن منطق “الحسم الشامل” يبدو محاولة لكسر معادلة الردع المتبادل وفرض واقع إقليمي جديد. في هذا السياق، تُفهم التصريحات التي تربط إخضاع قوة إقليمية كبرى بإعادة ترتيب المنطقة برمتها. فالفكرة المطروحة تقوم على أن كسر الحلقة المركزية سيؤدي تلقائيًا إلى انضواء بقية الأطراف ضمن توازن جديد تقوده إسرائيل. غير أن تحويل هذا التصور إلى مشروع عملي يتطلب أكثر من تفوق عسكري؛ يتطلب قبولًا سياسيًا إقليميًا لا يبدو متحققًا حتى الآن.

 

لا يبدو أن الخطاب الإسرائيلي الأخير يقتصر على ردٍّ تكتيكي، بل يعكس رؤية لإعادة تشكيل الإقليم. فحديث نتنياهو عن “تحالف سداسي” يهدف إلى مواجهة ما وصفه بـ”المحور الشيعي المتطرف” و”محور سني ناشئ” يكشف تصورًا استراتيجيًا لإعادة هندسة موازين القوى، لا مجرد إدارة صراع محدود.

إن أخطر ما في المشهد ليس الحرب ذاتها، بل الإطار المفاهيمي الذي تُقدَّم من خلاله: انتقال من منطق المصالح القابلة للتفاوض إلى منطق التفويض المقدس غير القابل للمراجعة. وعندما تُستدعى النصوص الدينية لتحديد خرائط سياسية معاصرة، فإن الصراع يخرج من نطاق السياسة إلى فضاء المطلقات، حيث تصبح التسوية ضعفًا، والتراجع خيانة، والحرب قدرًا. وهذا التحول هو ما يستوجب القراءة المتأنية؛ لأنه لا يغيّر قواعد الاشتباك فحسب، بل يغيّر طبيعة الصراع نفسه. لا يبدو أن التصورات المطروحة في الخطاب الإسرائيلي الأخير تتعلق بمواجهة محدودة أو بردٍّ تكتيكي على خصم بعينه، بل تشير إلى رؤية أوسع لإعادة تشكيل الإقليم. فقد تحدث نتنياهو قبل أيام عن ما سمّاه “تحالفًا سداسيًا” يضم إسرائيل واليونان وقبرص والهند، إلى جانب أطراف عربية وأفريقية، بهدف مواجهة ما وصفه بـ”المحور الشيعي المتطرف” و”محور سني ناشئ”. هذا التعبير لا يعكس صراعًا موضعيًا، بل يكشف عن تصور استراتيجي شامل يسعى إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية.

 

إذا كان “المحور الشيعي” يُفهم في السياق الإسرائيلي بوصفه مرتبطًا بإيران وحلفائها، فإن الإشارة إلى “محور سني ناشئ” تفتح باب التأويل حول المقصود به. فهل الحديث عن قوى غير منضوية في الترتيبات الإقليمية القائمة؟ أم عن دول تمتلك استقلالية نسبية في قرارها الاستراتيجي؟.

 في الحالتين، يبدو أن الفكرة المركزية تقوم على منع تشكل أي توازن إقليمي قد يقيّد حرية الحركة الإسرائيلية. في هذا السياق، تُطرح إيران بوصفها “المفتاح”. فإذا جرى إخضاعها أو تحييدها بالكامل، فإن بقية الأطراف – وفق هذا المنطق – ستضطر إلى إعادة تموضعها بما يكرّس واقعًا إقليميًا جديدًا. غير أن هذا التصور لا يقتصر على إيران وحدها. فقد برزت في الخطاب الإسرائيلي تحليلات تعتبر أن تراجع النفوذ الإيراني قد يخلق “فراغًا استراتيجيًا” في المنطقة، وأن تركيا – بحكم عضويتها في الناتو، وصلاتها بالغرب، وقدراتها العسكرية – قد تكون المرشح الأبرز لملء هذا الفراغ. ومن هنا تنشأ حساسية إسرائيلية متزايدة تجاه الدور التركي، خصوصًا في سوريا وشرق المتوسط.

ملف شرق المتوسط بدوره يكشف بعدًا اقتصاديًا–جيوسياسيًا للصراع، يتعلق بترسيم الحدود البحرية وحقول الغاز وممرات الطاقة. التحالف الإسرائيلي مع اليونان وقبرص يُفهم في هذا الإطار، بوصفه أداة لموازنة النفوذ التركي في البحر، في ظل الخلافات حول المناطق الاقتصادية الخالصة ومفهوم “الوطن الأزرق” الذي تتبناه أنقرة.

أما انخراط الهند في بعض الترتيبات الإقليمية، فيعكس تقاطع مصالح أوسع، لا سيما في ظل التنافس مع باكستان، وهي دولة نووية بدورها. وهنا يبرز عنصر بالغ الحساسية في الحسابات الإسرائيلية: التفوق النووي. فالعقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم تقليديًا على التفوق النوعي، مع الاحتفاظ بما يُعرف بـ”الخيار الأخير” في حال التعرض لتهديد وجودي. وجود هذا السلاح، حتى وإن لم يُستخدم، يشكل عنصر ردع مركزي في ميزان القوى. تاريخ الردع في المنطقة يكشف أن التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل لم يكن يومًا مجرد خطاب إعلامي. ففي حرب الخليج عام 1991، وجّهت الإدارة الأمريكية رسالة مباشرة إلى القيادة العراقية تحذر فيها من أن أي استخدام للسلاح الكيميائي سيُقابل بردٍّ قاسٍ. وتؤكد مذكرات مسؤولين عسكريين لاحقًا أن استعدادات نووية وُضعت بالفعل في حالة تأهب، وهو ما يوضح أن الردع الاستراتيجي لم يكن افتراضًا نظريًا بل خيارًا مطروحًا عند الضرورة. هذا المثال مهم لفهم العقل الاستراتيجي القائم على التفوق الحاسم. في الحسابات الإسرائيلية، التفوق التقليدي مضمون: طائرات مقابل طائرات، دبابات مقابل دبابات، صواريخ مقابل صواريخ. لكن عنصر الحسم النهائي يبقى التفوق النووي، بوصفه أداة ردع قصوى في حال التعرض لتهديد وجودي. في هذه المعادلة، الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تمتلك قدرة نووية هي باكستان. ومن منظور استراتيجي صرف، فإن أي قوة نووية خارج منظومة التحالفات الإسرائيلية تُعد عاملًا ينبغي أخذه في الحسبان.

غير أن المواجهة المباشرة مع قوة نووية ليست خيارًا سهلًا، ولذلك تلجأ الدول عادة إلى أدوات غير مباشرة: الاحتواء، التحالفات الإقليمية، الضغط الاقتصادي، وإعادة تشكيل البيئات الجيوسياسية المحيطة. من هنا يمكن قراءة تقاطع المصالح بين إسرائيل والهند، في ظل التنافس الهندي–الباكستاني، وكذلك التحالف الإسرائيلي مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، في سياق موازنة الدور التركي. الحديث عن “تحالفات” في مواجهة محاور إقليمية يعكس تصورًا أوسع لإعادة توزيع مراكز القوة. فإيران تُطرح باعتبارها تهديدًا مباشرًا، بينما يُنظر إلى تركيا بوصفها منافسًا استراتيجيًا محتملًا، لا سيما في ظل حضورها في سوريا وشرق المتوسط، وقدراتها العسكرية المتنامية، وعلاقاتها الغربية. هذا الإدراك تجلى في تقارير استراتيجية داخلية إسرائيلية، من بينها توصيات لجان أمنية سنوية تُعِد تقديرات للتهديدات وتربطها بالموازنات الدفاعية. وقد نُشر مؤخرًا جزء من تقرير استراتيجي أوصى بزيادة ملحوظة في الإنفاق العسكري، مع تحويل نسبة أكبر من الميزانية إلى القدرات الهجومية بدل الدفاعية، استنادًا إلى تقدير مفاده أن المرحلة المقبلة تتطلب ردعًا متقدمًا وقدرة على الحسم، وليس مجرد تحصين دفاعي. كما أشار التقرير إلى ضرورة الاستعداد لسيناريوهات تتعلق بسوريا وشرق المتوسط، ما يعكس توسيع دائرة الاهتمام الأمني.

اللافت أن هذا التوجه لا يبدو حكرًا على تيار سياسي بعينه داخل إسرائيل. فخطاب الردع الحاسم، وتعزيز التفوق، واستغلال اللحظة لإعادة التموضع الإقليمي، يحظى بتقاطع ملحوظ بين أطراف مختلفة في النخبة السياسية. قد تختلف الوسائل، لكن التقدير العام يشير إلى أن البيئة الإقليمية تمر بمرحلة سيولة تتيح فرصًا لإعادة رسم التوازنات. يبقى السؤال الجوهري: هل نحن أمام سياسة احتواء وردع ضمن قواعد النظام الدولي القائم، أم أمام سعي لتغيير قواعد اللعبة ذاتها؟ الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على ما إذا كانت التحركات الراهنة ستفضي إلى توازنات مستقرة، أم إلى سباق نفوذ مفتوح يعيد إنتاج دورات الصراع في صورة أكثر تعقيدًا.

إذا كان التصور الاستراتيجي الذي تحدثنا عنه قائمًا فعلًا، فإن السؤال الطبيعي هو ما الذي يمكن فعله في مواجهته؟ من الواضح أن الرهان على حسن النوايا أو على طمأنة إسرائيل لم يُنتج نتائج مختلفة خلال العقود الماضية. فقد سادت في مراحل متعددة قناعة لدى بعض النخب الإقليمية بأن تخفيف التوتر، وتقديم الضمانات، والانخراط في مسارات تعاون، كفيل بتبديد الهواجس الإسرائيلية. غير أن التجربة أظهرت أن التفكير الإسرائيلي يتسم بطابع استراتيجي طويل المدى، لا يقوم على العلاقات الشخصية أو حسن العلاقة مع هذا القائد أو ذاك، بل على حسابات بنيوية تتعلق بطبيعة البيئة المحيطة. من منظور استراتيجي بحت، لا تُبنى العقائد الأمنية على افتراض دوام الصداقة بين الأنظمة، لأن الأنظمة تتغير. التجربة الإيرانية بعد الشاه، والتحولات في السياسة التركية خلال العقود الماضية، تُستدعى أحيانًا في النقاشات الإسرائيلية بوصفها أمثلة على هشاشة الرهان على الأشخاص. ومن هنا يتعزز ميل بعض صناع القرار إلى التفكير في موازين القوى، لا في النوايا المعلنة. هذا النوع من التفكير يقود إلى مقاربة تفضّل بيئة إقليمية ضعيفة أو منقسمة على بيئة متماسكة وقوية. فالدول المتصارعة داخليًا، أو المنهكة اقتصاديًا، أو المتنازعة فيما بينها، تُعد أقل قدرة على تشكيل تهديد استراتيجي من دول مستقرة وموحدة. لذلك يُنظر إلى التفوق العسكري والتكنولوجي، وإلى الاستثمار المتواصل في التسلح، بوصفهما ضمانة أساسية في بيئة يُنظر إليها باعتبارها غير مستقرة بطبيعتها.

عند قراءة التحولات الإقليمية بعيدًا عن الشعارات والاحتفالات الدبلوماسية، يظهر منحنى واضح: تعزيز القدرات العسكرية، وتكثيف التحالفات، والسعي إلى موازنة القوى الصاعدة. في المقابل، تشهد المنطقة مستويات متفاوتة من الانقسام العرقي والمذهبي والسياسي، وهو ما يُضعف قدرتها على إنتاج توازن جماعي. الاستدعاء المتكرر لتجربة الحروب الصليبية في بعض الدراسات الإسرائيلية يعكس اهتمامًا بفهم التجارب التاريخية التي شهدت قيام كيانات خارجية في المشرق ثم أفولها. فالحروب الصليبية، من منظور أوروبي، أسهمت في تشكيل أنماط جديدة من التنظيم السياسي والعسكري داخل أوروبا، إذ دفعت نحو مركزية السلطة وبناء جيوش نظامية وتوحيد كيانات متفرقة حول قضية جامعة. وفي المقابل، شهد المشرق في تلك المرحلة حالة من التمزق السياسي بين إمارات وممالك متنافسة، قبل أن تتشكل لاحقًا قوى قادرة على المواجهة.

الإشارة إلى هذه التجربة التاريخية لا تعني تكرارها حرفيًا، لكنها تُستخدم أحيانًا لتوضيح أن البيئات المنقسمة تُغري القوى الخارجية بالتدخل، بينما البيئات المتماسكة ترفع كلفة هذا التدخل. الدرس الأبرز من تلك المرحلة أن التشتت الداخلي كان عاملًا حاسمًا في إطالة أمد الصراع، وأن التوحيد النسبي للقوى المحلية غيّر ميزان المعادلة. من هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يقتصر على مواجهة خطاب أو تحالف بعينه، بل يتعلق بإعادة التفكير في بنية القوة داخل الإقليم نفسه، في الاقتصاد، والتماسك الاجتماعي، والاستقلالية الاستراتيجية، والقدرة على إدارة الخلافات دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة. فالبيئة القوية المتماسكة تفرض احترامها، بينما البيئة المنقسمة تُدار من الخارج.

التحليل الهادئ يقتضي التمييز بين الخطاب السياسي وبين الوقائع البنيوية. فالدول تتحرك وفق مصالحها، وتستثمر في مكامن ضعف خصومها. والسؤال المحوري ليس ما الذي يريده الآخر فحسب، بل ما الذي نمتلكه نحن من عناصر قوة تجعل كلفة إعادة تشكيل المنطقة على حسابنا أعلى من عائدها. الفكرة الجوهرية التي تُستحضر هنا تقوم على قراءة تاريخية مفادها أن الكيانات الخارجية التي تنشأ في بيئة منقسمة تبقى قائمة ما دام الانقسام مستمرًا، وتتراجع متى تشكّل توازن وحدوي في مواجهتها. هذا الدرس يُستخلص عادة من تجربة الحروب الصليبية، حيث أدرك الصليبيون أن اتحاد مصر والشام يشكل تهديدًا وجوديًا لهم، كما أدركت القوى الإسلامية آنذاك أن توحيد الجبهتين هو الشرط الضروري لإنهاء الوجود الصليبي.

التنافس على مصر في القرن الثاني عشر لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان جزءًا من إدراك استراتيجي متبادل. الصليبيون حاولوا التمدد جنوبًا لقطع الطريق على أي وحدة محتملة بين القاهرة ودمشق، فيما سعت القوى الزنكية ثم الأيوبية إلى تثبيت السيطرة على مصر باعتبارها قاعدة حيوية لاستعادة التوازن. وعندما تحققت تلك الوحدة، تغيّر ميزان القوى جذريًا.

استدعاء هذه التجربة في النقاشات المعاصرة يعكس قناعة لدى بعض الدوائر بأن أي مشروع تكتل إقليمي واسع يمثل تهديدًا بنيويًا. فالتكامل السياسي أو العسكري أو الاقتصادي بين دول كبرى في الإقليم يُنظر إليه بوصفه عاملًا يُقلّص هامش التفوق الأحادي. لذلك تُفهم الحساسية تجاه أي تحالف عابر للحدود، سواء كان رسميًا أو في طور التشكل. من زاوية أخرى، تكشف تجربة ما بعد سقوط القدس الصليبية عن بُعد رمزي عميق في الوعي الغربي آنذاك. فحتى بعد فقدان السيطرة الفعلية على المدينة، ظل لقب “ملك القدس” يُستخدم لقرون، وانتقل عبر عائلات حاكمة في قبرص ثم في إيطاليا. هذا التشبث بالرمز يعكس أن القدس لم تكن مجرد موقع جغرافي، بل مركزًا ذا دلالة دينية–سياسية ممتدة في المخيال الأوروبي. قبرص، في السياق الصليبي، أدت دور قاعدة إسناد لوجستي وسياسي بعد فقدان المراكز الأساسية في الساحل الشامي. كانت محطة لإعادة التنظيم، واستقبال الدعم القادم من أوروبا، ومحاولة الحفاظ على حضور رمزي وسياسي في الإقليم. هذه الوظيفة التاريخية تجعلها حاضرة في بعض القراءات التي تقارن بين أدوار الأمس واليوم، وإن اختلفت الظروف والسياقات.

الدرس الأعمق الذي يُستخلص من تلك المرحلة لا يتعلق بتكرار حرفي للتاريخ، بل بطبيعة العلاقة بين الوحدة والتفكك في موازين القوى. البيئات المتماسكة تقلّ فيها فرص التدخل الخارجي، بينما البيئات المنقسمة تتيح هوامش أوسع للقوى الطامحة إلى النفوذ. هذا قانون تاريخي يتجاوز الحالة الصليبية أو أي حالة بعينها. في النهاية، المسألة لا تُختزل في خطاب أو تحالف أو حدث بعينه، بل في إدراك استراتيجي طويل المدى: كيف تُبنى موازين القوى؟ وكيف تؤثر التحالفات، أو غيابها، في استقرار الإقليم؟ التاريخ يقدم أمثلة، لكنه لا يعيد نفسه بصورة ميكانيكية. غير أن فهم أنماط الصعود والأفول يساعد على قراءة الحاضر بعين أكثر اتزانًا وأقل انفعالًا.

إذا أردنا تلخيص ما يجري اليوم، فيمكن القول إن المسألة تتجاوز إطار المواجهة مع إيران بوصفها هدفًا منفردًا. فاختزال الصراع في شخص أو قيادة بعينها يُغفل البعد الأعمق، إذ إن الدول لا تبنى استراتيجياتها على أفراد، بل على توازنات. تغيير شخص لا يغيّر البنية، ولذلك فإن التركيز على إسقاط زعيم أو استهداف قيادات بعينها لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف الاستراتيجي الأشمل. المطروح عمليًا يمكن قراءته ضمن ثلاثة سيناريوهات: الأول، سيناريو الضربة المحدودة قصيرة الأمد، التي تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية – خصوصًا الصاروخية والنووية – ودفع الطرف المقابل إلى قبول شروط تفاوضية جديدة. هذا السيناريو يُسوَّق إعلاميًا بوصفه عملية خاطفة تنتهي خلال أيام. الثاني، سيناريو الاستنزاف الممتد، حيث تتحول المواجهة إلى حرب طويلة النفس تستهدف البنية التحتية العسكرية والاقتصادية، مع الرهان على إنهاك الدولة وإضعاف قدرتها على التعافي. في هذا السياق، تتراجع الثقة بأي مسار تفاوضي إذا اعتُبر غطاءً للمواجهة. الثالث، وهو الأوسع أثرًا، يتمثل في محاولة تغيير النظام نفسه، سواء عبر ضرب الطبقة القيادية بشكل متكرر، أو عبر الرهان على تفكك داخلي في مناطق بعينها، بما يخلق واقعًا جغرافيًا–سياسيًا جديدًا. هذا السيناريو لا يتعلق فقط بإخضاع دولة، بل بإعادة تشكيل توازنات الإقليم عبرها.

عند تحليل المؤشرات الميدانية، يبدو أن الهدف لا يقتصر على تعديل سلوك، بل على إحداث تغيير بنيوي. فالحروب القصيرة لا تحسم الصراعات العميقة إذا بقيت البنية السياسية والعسكرية قائمة وقادرة على إعادة بناء نفسها خلال سنوات قليلة. ومن هنا تُطرح فرضية أن المسألة تتعلق بتغيير قواعد اللعبة، لا بمجرد جولة عسكرية. التاريخ يقدم أمثلة متكررة على خطورة قراءة الأحداث بصورة مجتزأة. حين سقطت ممالك خوارزم أمام الغزو المغولي في القرن الثالث عشر، تعاملت بعض القوى الإسلامية آنذاك مع الحدث بوصفه شأنًا بعيدًا أو خصومة داخلية لا تعنيها مباشرة. غير أن المغول لم يتوقفوا عند حدود خوارزم؛ فقد استمر الزحف حتى بلغ بغداد نفسها بعد عقود قليلة. الدرس هنا لا يتعلق بتكرار التاريخ حرفيًا، بل بطبيعة الخطر المتدرج الذي لا يتوقف عند أول محطة.

ممالك خوارزم: دولة إسلامية قوية نشأت في إقليم خوارزم بآسيا الوسطى بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، بلغت أوج قوتها في عهد الدولة الخوارزمية قبل أن تسقط أمام الغزو المغولي بقيادة جنكيز خان في القرن الثالث عشر.

المغول طبقوا سياسة الصدمة والرعب لإسقاط المدن تباعًا، مستفيدين من الانقسام بين القوى المحلية. وفي كل مرة كانت مدينة تسقط، كان البعض يظن أن الأمر لن يتجاوزها. لكن الاستراتيجية الكبرى لم تكن محصورة في هدف واحد، بل في إعادة رسم المجال السياسي بأكمله. من هذا المنظور، فإن أي صراع يُقرأ فقط في حدوده المباشرة قد يُساء فهمه. السؤال الحقيقي ليس: هل هي حرب قصيرة أم طويلة؟ بل ما هو الهدف البنيوي النهائي؟ إذا كان الهدف إعادة تشكيل الإقليم وإعادة توزيع موازين القوة فيه، فإن ما يحدث اليوم قد يكون حلقة ضمن مسار أطول. التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يكشف أن الانقسام الداخلي، وسوء تقدير المخاطر، والرهان على أن الخطر سيبقى بعيدًا، عوامل تكررت في أكثر من مرحلة. أما التماسك، والقراءة الواقعية لموازين القوى، وبناء القدرة الذاتية، فهي العناصر التي تغيّر المعادلات. في النهاية، المسألة ليست عاطفية ولا خطابية؛ إنها مسألة فهمٍ لطبيعة الصراع وحدوده وأهدافه العميقة. ومن دون هذا الفهم، تبقى ردود الفعل تكتيكية في مواجهة تحركات تُبنى على تصور استراتيجي طويل المدى.

الفكرة التي ينبغي التوقف عندها هي أن خوارزم، في لحظة تاريخية معينة، لم تكن مجرد مملكة بعيدة، بل كانت درعًا جغرافيًا يفصل بين المغول وبغداد. وحين انكسر ذلك الدرع، لم يبقَ ما يحول دون سقوط العاصمة العباسية بعد عقود قليلة. الخطأ لم يكن في تقدير قوة المغول فحسب، بل في سوء قراءة أثر انهيار الحلقة الأولى من سلسلة الدفاع. المشكلة التي تتكرر في تاريخنا ليست نقص العاطفة، بل غلبة التفكير الرغائبي على التفكير الاستراتيجي (أي أن العاطفة والأماني تحلّ محل التحليل العقلاني البعيد المدى). قد يختلف طرفان سياسيًا أو مذهبيًا، وقد يفرح بعضهم بسقوط خصم قريب، لكن السؤال الحقيقي: من يملأ الفراغ بعده؟ إذا كان البديل قوة أشد تنظيمًا وأوسع طموحًا، فإن الاحتفال بسقوط “الدرع” يتحول إلى خطأ تاريخي.

في قراءة موازين القوى الراهنة، فإن أي تفكك لدولة إقليمية كبرى سيُنتج فراغًا استراتيجيًا. والسؤال ليس عاطفيًا: هل نختلف معها أم لا؟ بل واقعيًا: من سيملأ ذلك الفراغ؟ إذا لم يكن هناك تكتل إقليمي مكتمل قادر على إعادة التوازن، فإن الكفة تميل تلقائيًا لصالح الطرف الأكثر جاهزية وتنظيمًا. أما الرهان على أن تغيير النظام في دولة عريقة سيحوّل سياستها جذريًا، فهو تبسيط مخل. الدول ذات التاريخ الممتد لا تُعيد تعريف مصالحها كلما تغيرت نخبها الحاكمة. قد تتبدل الشعارات، لكن المصالح الجيوسياسية العميقة تبقى. خذ أمثلة من التاريخ الحديث: الصين تبدلت أنظمتها وبقيت رؤيتها لنفسها قوة حضارية كبرى. روسيا تغيرت قياداتها، لكن نظرتها لدورها الجغرافي لم تتغير جذريًا. كذلك إيران، بتاريخها الإمبراطوري الممتد، لن تتحول بين ليلة وضحاها إلى كيان بلا طموح إقليمي، أيا كان شكل الحكم فيها. المسألة إذن ليست دفاعًا عن نظام بعينه، بل فهمًا لطبيعة الفراغ الاستراتيجي. الفراغ لا يبقى فارغًا. إما أن يُملأ بتوازن إقليمي، أو يُملأ بهيمنة أحادية. الدرس ذاته نجده في تجربة صلاح الدين الأيوبي. حين سعى إلى توحيد الشام ومصر، لم يكن الهدف مجرد توسيع نفوذ، بل إدراك أن معركة التحرير لا تُدار بجبهات متفرقة. القاضي الفاضل – أحد أبرز العقول الاستراتيجية في تلك المرحلة – نبّهه إلى أن راية جامعة أقوى من صراع داخلي. وعندما رُفع هدف جامع، التحقت به القوى المترددة طوعًا، لأن المزاج الشعبي كان مهيأ لذلك. فالوحدة هنا لا تعني ذوبان الفوارق أو إلغاء التنوع، بل تعني التوافق على أولويات كبرى. يمكن أن تبقى الخلافات السياسية والمذهبية، لكن حين يتعلق الأمر بتوازن القوى، فإن الحسابات تتجاوز الجزئيات.

الخطاب المتعالي أو الدعوات القصوى التي تتحدث بلغة الاستئصال ليست دليل قوة بالضرورة؛ كثيرًا ما تكون مؤشرًا على شعور عميق بالهشاشة. التاريخ مليء بأمثلة قوى توسعت بلا سقف حتى اصطدمت بحدود قدرتها. الغرور الاستراتيجي غالبًا ما يقود إلى التمدد الزائد، والتمدد الزائد يحمل في طياته بذور الانكماش (الامثلة اسفله).

  1. نابليون بونابرت (القرن التاسع عشر) بعد سلسلة انتصارات كبرى في أوروبا، أصبح نابليون مقتنعًا بأن قوته لا تُهزم. دفعه هذا الشعور إلى غزو روسيا عام 1812 بجيش ضخم يقارب 600 ألف جندي. لكن التمدد المفرط والظروف القاسية أدّيا إلى انهيار الجيش تقريبًا، وكانت تلك الحملة بداية سقوط إمبراطوريته. هنا تحوّل التوسع غير المحسوب إلى نقطة انعطاف نحو الانكماش.
  2. ألمانيا النازية في عهد هتلر حقق هتلر انتصارات سريعة في بداية الحرب العالمية الثانية، فاعتقد أن التفوق العسكري يتيح له السيطرة على أوروبا بأكملها. لكن قراره بفتح جبهتين في وقت واحد – ضد الاتحاد السوفيتي والغرب – أدى إلى إنهاك ألمانيا عسكريًا واقتصاديًا، وانتهى بسقوط النظام نفسه. لقد قاد الغرور الاستراتيجي إلى تمدد يفوق القدرة الحقيقية على التحمل.
  3. الاتحاد السوفيتي في أفغانستان (1979–1989) دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وهو يعتقد أن تدخله سيحسم الوضع بسرعة. غير أن الحرب تحولت إلى استنزاف طويل ساهم في إنهاك الاقتصاد السوفيتي وإضعاف الدولة، وكان أحد العوامل التي عجّلت بانهيار الاتحاد السوفيتي لاحقًا.
  4. الولايات المتحدة في العراق (2003) سقط النظام العراقي بسرعة، واعتقدت واشنطن أن المرحلة التالية ستكون سهلة. لكن الواقع أظهر أن إدارة بلد معقد سياسيًا واجتماعيًا أصعب بكثير من إسقاط نظامه. تحولت الحرب إلى استنزاف طويل كلف الولايات المتحدة موارد ضخمة وأضعف صورتها الدولية.

في النهاية، المعادلة ليست شعاراتية. إنها معادلة مصالح وتوازنات. القائد الذي ينشغل بصغائر الأمور ويترك كلياتها، يضعف موقعه. والذي يقرب خصومه بلا حساب ويبتعد عن حلفائه بلا رؤية، يخسر الاثنين معًا. التاريخ لا يُقرأ للتسلية، بل لاستخلاص السنن. وأهم تلك السنن أن الانقسام يُغري بالتدخل، وأن الفراغ يُستدعى لملئه، وأن الغطرسة – مهما بدت صلبة – ليست بديلاً عن الحساب الدقيق لموازين القوة.

 

Bas du formulaire