الوضع الليلي
Image
  • 04/02/2026
الطاقة الكهروحرارية: عندما تتحول الحرارة المهدورة إلى كهرباء

الطاقة الكهروحرارية: عندما تتحول الحرارة المهدورة إلى كهرباء

ياسين زوبع

في عالم يزداد فيه الطلب على الطاقة عامًا بعد عام، تُهدَر كميات هائلة من الحرارة في المصانع ومحركات السيارات ومحطات توليد الكهرباء دون أن يُستفاد منها. تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف الطاقة المستخدمة عالميًا تضيع على شكل حرارة غير مستغلة، تُطلق إلى الهواء أو الماء مسببة ارتفاعًا في درجات الحرارة المحلية وتفاقمًا في البصمة الكربونية. هذا الفاقد الحراري لا يمثل مشكلة بيئية فحسب، بل خسارة اقتصادية ضخمة لأن كل وحدة حرارة مهدورة هي في الأصل طاقة مدفوعة الثمن لم تُستثمر كما ينبغي. من هنا تبرز الحاجة إلى البحث عن حلول مبتكرة تتيح استعادة هذه الطاقة الضائعة وتحويلها إلى مورد فعّال ومستدام، خصوصًا في ظل التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون وزيادة الاهتمام بالكفاءة الطاقية.

في هذا السياق، تبرز الطاقة الكهروحرارية كأحد أكثر المجالات الواعدة في تحويل الحرارة المهدورة إلى كهرباء مفيدة. تقوم هذه التقنية على مبدأ بسيط لكنه ثوري: توليد فرق جهد كهربائي عند وجود فرق في درجة الحرارة بين طرفي مادة معينة. وبذلك، يمكن تحويل الحرارة المنبعثة من عوادم السيارات أو الأفران الصناعية أو حتى الأجهزة الإلكترونية إلى طاقة كهربائية يمكن تخزينها أو إعادة استخدامها. إنها خطوة نحو تحقيق اقتصاد دائري للطاقة، لا تُهدر فيه أي حرارة بلا مقابل.

الأساس الفيزيائي لهذه التقنية يقوم على تأثير سيبيك، الذي اكتُشف عام 1821 على يد الفيزيائي الألماني توماس سيبيك، حين لاحظ أنّ تمرير تيار حراري عبر سلكين معدنيين مختلفين متصلين في دائرة مغلقة يؤدي إلى توليد تيار كهربائي تلقائي. ببساطة، عند وجود فرق في درجة الحرارة بين طرفي موصل أو شبه موصل، ينشأ فرق جهد كهربائي بين هذين الطرفين. هذه الظاهرة البسيطة كانت الشرارة الأولى لفكرة الطاقة الكهروحرارية، التي تهدف إلى تسخير الحرارة المهدورة وتحويلها مباشرة إلى كهرباء دون الحاجة إلى أجزاء ميكانيكية متحركة أو عمليات احتراق.

على المستوى المجهري، يحتوي الطرف الساخن من المادة على جسيمات (إلكترونات أو فجوات) تمتلك طاقة حركية أكبر من الطرف البارد، فتنتقل هذه الجسيمات لتحقيق التوازن الحراري. هذا التدفق يؤدي إلى تراكم شحنات في أحد الطرفين ونقصها في الطرف الآخر، مما يخلق فرق جهد كهربائي. وعند توصيل الدائرة، يبدأ التيار الكهربائي بالتدفق. تتحدد كفاءة هذه العملية بما يُسمّى "معامل سيبيك"، وهو مقياس يعبر عن مقدار الجهد المتولد لكل درجة حرارة بين الطرفين.

الوحدة الكهروحرارية الأساسية تتكون من مجموعة من الأزواج الحرارية من مواد من النوع N (حاملة للإلكترونات) والنوع P (حاملة للفجوات)، مرتبة بشكل متناوب ومتصل كهربائيًا على التوالي وحراريًا على التوازي. عند تسخين أحد جانبي الوحدة وتبريد الآخر، يبدأ تدفق حاملات الشحنة عبر الأزواج الحرارية، فيُولد تيار كهربائي يمكن استخدامه مباشرة أو تخزينه. تستخدم هذه الوحدات اليوم في تطبيقات متعددة، من تبريد المعالجات الدقيقة في الحواسيب والأقمار الصناعية، وصولًا إلى توليد الكهرباء من عوادم السيارات أو الأنابيب الساخنة في المصانع.

تُعدّ استعادة الحرارة المهدورة من أكثر التطبيقات الواعدة للطاقة الكهروحرارية. في الصناعة، تُهدر المصانع الحديثة كميات هائلة من الطاقة على شكل حرارة غير مستغلة، سواء في محطات توليد الطاقة الحرارية أو المصانع المعدنية والبتروكيماوية، حيث ترتفع درجات حرارة الغازات المنبعثة إلى مئات الدرجات المئوية، وهي طاقة ضائعة يمكن استعادتها وتحويلها إلى كهرباء باستخدام وحدات كهروحرارية. وفي قطاع النقل، تُستخدم مولّدات كهروحرارية لتحويل حرارة عوادم المحركات إلى كهرباء، ما يُسهم في تقليل استهلاك الوقود وتحسين الكفاءة الكلية، وهو ما تعمل عليه شركات كبرى مثل BMW وToyota في مشاريعها التجريبية.

الدراسات تُشير إلى أن استغلال جزء بسيط من هذه الحرارة المهدورة يمكن أن يغطي نسبة معتبرة من احتياجات الطاقة الكهربائية العالمية، مما يجعل هذا المجال من أكثر الاتجاهات المستقبلية جدوى واستدامة.

في الاستكشاف الفضائي، أثبتت الطاقة الكهروحرارية أهميتها منذ عقود من خلال استخدام مولدات النظائر المشعة الكهروحرارية (RTGs). تعتمد هذه الأجهزة على تحويل الحرارة الناتجة من تحلل النظائر المشعة مثل البلوتونيوم-238 إلى كهرباء عبر وحدات كهروحرارية عالية الكفاءة. بفضل موثوقيتها وقدرتها على العمل دون أشعة الشمس، تم استخدامها في بعثات مثل Voyager وCassini وCuriosity Rover على المريخ. هذه التقنية مثالية للبعثات الطويلة في الفضاء العميق، حيث لا يمكن الاعتماد على الألواح الشمسية بسبب ضعف الإشعاع الشمسي، مما يجعل الطاقة الكهروحرارية شريان الحياة للأجهزة العلمية وأجهزة الاتصالات.

بدأت أيضًا التطبيقات تتوسع إلى الأجهزة الصغيرة والقابلة للارتداء، مثل الساعات الذكية وأجهزة مراقبة اللياقة وأجهزة الاستشعار الحيوية، حيث تعتمد على تحويل حرارة جسم الإنسان إلى طاقة تكفي لتشغيل الحساسات الدقيقة أو شحن بطاريات صغيرة. المواد المستخدمة في هذه الأجهزة مرنة وخفيفة الوزن، مما يتيح تصميم أنظمة تعمل ذاتيًا دون الحاجة إلى شحن مستمر، وهو ما يُعرف بالإلكترونيات المستقلة ذاتيًا بالطاقة.

على الرغم من الإمكانات الكبيرة، تواجه الطاقة الكهروحرارية تحديات عدة. أبرزها الكفاءة المنخفضة لتحويل الحرارة إلى كهرباء، عادة بين 5 و10%، مقارنة بالخلايا الشمسية التي تتجاوز كفاءتها 20%. السبب الرئيسي هو صعوبة إيجاد مواد تجمع بين الموصلية الكهربائية العالية والموصلية الحرارية المنخفضة في الوقت نفسه. بالإضافة لذلك، تُعد تكلفة المواد شبه الموصلة المستخدمة، مثل تيلوريد البزموت وسيلينيد الرصاص، مرتفعة نسبيًا، مما يعيق الإنتاج التجاري واسع النطاق. هناك أيضًا تحديات ميكانيكية تتعلق بدمج هذه الأنظمة داخل البيئات الصناعية أو المركبات، حيث درجات الحرارة المرتفعة والتغيرات الديناميكية المستمرة.

تركّز الأبحاث الحديثة على تحسين عامل الجودة الكهروحرارية (ZT) عبر تطوير مواد نانوية تقلل التوصيل الحراري دون التأثير على التوصيل الكهربائي، ما يؤدي إلى رفع كفاءة التحويل. كما يُجرى البحث عن مواد أرخص وأكثر استدامة، مثل أكسيدات الكالسيوم والمواد العضوية الموصلة، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتصميم تراكيب محسّنة للأداء الكهروحراري.

من المتوقع أن تلعب الطاقة الكهروحرارية دورًا تكميليًا في منظومة الطاقة المستدامة، لا كبديل عن المصادر الأخرى، بل لتعزيز الكفاءة الطاقية الإجمالية، عبر استرجاع الطاقة المفقودة في الصناعة، النقل، والأجهزة الإلكترونية، مما يقلل الانبعاثات ويحسّن الأداء البيئي.

تُمثّل الطاقة الكهروحرارية ثورة حقيقية في عالم تحويل الطاقة، إذ تنقلنا من مرحلة فقدان الحرارة إلى مرحلة استعادتها وتحويلها إلى كهرباء مفيدة. إنها مثال حي على كيف يمكن للتحديات البيئية أن تتحول إلى فرص اقتصادية وتقنية عندما تُقابل بالإبداع والبحث العلمي.

الرسالة النهائية هي أن الطاقة الكهروحرارية ليست مجرد بديل للطاقة الشمسية أو الرياح، بل مكمل ذكي لهما، يسد الفجوات ويحويل الطاقة المهدورة إلى مورد ثمين. إنها خطوة عملية نحو بناء اقتصاد طاقي أكثر كفاءة واستدامة، حيث لا تُهدر أي طاقة، بل يُعاد توظيفها لخدمة الإنسان والبيئة في آن واحد.