الوضع الليلي
Image
  • 18/03/2026
الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة فاس-مكناس.. فواتير

الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة فاس-مكناس.. فواتير "حارقة" وإدارة "خارج التغطية" بقلم: أبو علي

بين ليلة وضحاها، وجد سكان جهة فاس-مكناس أنفسهم في مواجهة "غول" جديد يسمى "الشركة الجهوية متعددة الخدمات". هذه الكيانات التي جاءت تحت شعار "النجاعة والتدبير المفوض"، يبدو أنها لم تفلح حتى الآن إلا في شيء واحد: إشعال جيوب المواطنين بفواتير ماء وكهرباء تتجاوز المنطق والقدرة الشرائية، في ظل صمت إداري مريب يكرس سياسة "الأمر الواقع".

فواتير "ملتهبة" وخدمات "متجمدة"

إن ما يعيشه المواطن في فاس ومكناس وباقي أقاليم الجهة، هو مفارقة صارخة؛ ففي الوقت الذي تشهد فيه الفواتير قفزات "صاروخية" لا تعكس حجم الاستهلاك الحقيقي في كثير من الأحيان، تغيب أي علامات للصيانة أو تجويد البنيات التحتية. يشتكي المواطن من ضعف الصبيب، ومن انقطاعات مفاجئة، ومن جودة ماء تثير التساؤلات، لكن الرد الوحيد الذي يصله هو "وصل الأداء" الذي لا يقبل التأجيل.

 

عقلية "الرئيس" لا "الخادم المرفقي"

الأزمة الحقيقية ليست فقط في "الأرقام" التي تحملها الفواتير، بل في "العنجهية" التي تُدار بها هذه الشركات. فقد أصبح الوصول إلى مدير الشركة الجهوية أو أحد مديري الإدارات العمومية بالجهة أشبه بـ "مهمة مستحيلة". هؤلاء المسؤولون، الذين وُجدوا في كراسيهم لخدمة المرتفقين، تحولوا بقدرة قادر إلى "رؤساء" ليس فقط على موظفيهم، بل حتى على المواطنين أصحاب الحق الأصليين.

من الغريب جداً أن يقضي المدير يومه في الرد على مكالمات هاتفية خاصة، أو الانزواء في مكتبه المكيف، بينما يقف المواطنون في الطوابير، ليتم صدهم في النهاية من طرف "أعوان" أو "حراس" يتولون الرد عوضاً عن المدير، وكأن المشتكي يطلب "صدقة" وليس خدمة عمومية مؤدى عنها من ماله الخاص.

الهرم المقلوب: المرتفق في خدمة الإدارة!

في المنطق الإداري السليم، المواطن هو "الزبون" وهو "المخدوم"، والإدارة هي "الخادم". لكن في "الشركة الجهوية" بفاس-مكناس وكثير من مرافقنا، انقلب الهرم؛ فأصبح المواطن هو الذي يلهث خلف الإدارة، وهو الذي يتوسل لاستقباله، وهو الذي يُطالب بالصبر على غلاء الفواتير وضيق ذات اليد.

إن تحصن المدير خلف مكتبه ورفضه استقبال المشتكين يعكس خللاً في التكوين الإداري والوطني؛ فالمسؤول الذي يرى في المواطن عبئاً أو "مزعجاً" يقتحم خلوته الإدارية، هو مسؤول فقد بوصلة "المرفق العمومي".

الاستهتار بالمسؤولية: مكاتب للنوم لا للعمل

إن تبرير غياب التواصل بـ "كثرة الانشغالات" هو عذر أقبح من ذنب. فما هو العمل الأسمى للمدير إذا لم يكن هو حل مشاكل الناس والوقوف على اختلالات شركته؟ إن الاكتفاء بـ "تدبير الهاتف" وترك المواطن في مواجهة أعوان لا يملكون سلطة القرار، هو تشريع للفوضى وفتح للباب أمام الاحتقان الاجتماعي.

و في الختام، كفى من الاستعلاء الطبقي والإداري

إن جهة فاس-مكناس، بكل ثقلها التاريخي والبشري، لا تستحق أن تُدبر بعقلية "الضيعة" أو "الشركة الخاصة" التي تهدف للربح فقط وتصم آذانها عن صرخات المواطنين. إن غلاء الماء والكهرباء، معطوفاً على سوء الاستقبال وغياب الصيانة، هو "ثالوث" يهدد السلم الاجتماعي.

على المديرين "المتحصنين" في مكاتبهم أن يدركوا أن الكرسي الذي يجلسون عليه هو ملك للدولة وللشعب، وأن واجبهم الأول هو "الاستقبال والاستماع والحل"، وليس "التعالي والصد والانعزال". فهل من مذكر لهؤلاء بأن زمن "الاستعلاء" و"التباهي" في الإدارة قد ولى، وأننا في زمن المحاسبة والنجاعة؟