تازة .. رصيف مستشفى ابن باجة يتحول إلى منصة للموت البطيء!
هزت فاجعة إنسانية مؤلمة الأوساط الحقوقية والمدنية بمدينة تازة، عقب مفارقة مواطن في عقده الخامس للحياة بباحة المستشفى الإقليمي ابن باجة، بعد ساعات طويلة من مكوثه ممدداً على رصيف أسمنتي حار قبالة قسم المستعجلات وعلى بعد أمتار قليلة من سيارات الإسعاف، دون أن تمتد إليه يد الرعاية الطبية المنقذة للحياة، في مشهد وثقته عدسات الهواتف المحمولة وأثار موجة عارمة من الصدمة والاستنكار العارم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
تعود فصول هذه المأساة، التي خلفت جرحاً عميقاً في ضمير الساكنة المحلية، إلى رصد مواطن ينحدر من جماعة بوشفاعة التابعة لإقليم تازة، وهو يقاوم وطأة المرض والإنهاك الشديد تحت أشعة الشمس الحارقة على الرصيف الداخلي للمؤسسة الصحية الاستشفائية. وبحسب شهادات متطابقة وهيئات مدنية عاينت الواقعة، فإن الضحية ظل لساعات يصارع الموت أمام مرأى ومسمع من المرتفقين والمسؤولين داخل المستشفى، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في وضعية حطت من كرامته الإنسانية، وهو ما اعتبرته الفعاليات الحقوقية دليلاً صارخاً على الإهمال الطبي والتقصير في تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر.
وفي المقابل، حملت الرواية الصادرة عن مصادر إدارية من داخل المستشفى وجهاً آخر للأزمة، حيث أفادت بأن الهالك ولج باحة المؤسسة الاستشفائية في وضعية صحية ونفسية متدهورة، مبرزة أنه كان يفتقر إلى وثائق الهوية الرسمية ويبدي علامات اضطراب نفسي حاد واهتياج شديد صاحبه صراخ مستمر. وأكدت الإدارة أن التقاط الصور المتداولة تم بالفعل داخل أسوار المستشفى وليس خارجها، معتبرة أن معالجة حالات الاضطراب النفسي المرتبطة بالتشرد تفرض تحديات معقدة تتداخل فيها المسؤوليات الإدارية والطبية والاجتماعية.
هذا التضارب في الروايات والظروف المأساوية للوفاة دفع بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان بفرع تازة إلى الدخول على الخط بقوة، حيث أصدرت موقفاً حازماً أدانت فيه بشدة ما وصفته بـ"القتل غير المباشر"، منددة بغياب التكفل السريع بالفئات الهشة والفقيرة وتراجع الخدمات الطبية الأساسية بالمستشفى الإقليمي. واعتبرت الهيئات الحقوقية أن غياب منظومة يقظة واضحة واستقبال لائق بالمستعجلات يحمي الحق المقدس في الحياة، يشكل انتهاكاً جسيماً للاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية التي تضمن الحق في العلاج والرعاية الصحية لكل المواطنين دون تمييز.
وتفاعلاً مع الحادثة وموجة الغضب الشعبي، دخلت السلطات القضائية بالمدينة على خط القضية بشكل فوري، حيث أصدر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بتازة تعليماته الصارمة للمصالح الأمنية المختصة بفتح تحقيق قضائي دقيق وموسع للوقوف على كافة ملابسات وحيثيات الفاجعة. وجرى نقل جثة الهالك إلى مستودع الأموات بالمستشفى لإخضاعها للتشريح الطبي الشرعي لتحديد الأسباب العلمية الحقيقية والمباشرة وراء الوفاة، وتحديد ما إذا كان الإهمال أو غياب التدخل الطبي السريع سبباً رئيسياً في حدوث الفاجعة، تمهيداً لترتيب المسؤوليات القانونية ومحاسبة المقصرين.
أعادت هذه المأساة إلى الواجهة النقاش المجتمعي والسياسي الحاد حول واقع المنظومة الصحية بإقليم تازة، والنقص الحاد الذي تعاني منه المؤسسات الاستشفائية على مستوى الأطر الطبية والتمريضية، فضلاً عن غياب البنيات التحتية المتخصصة في استقبال ورعاية المرضى النفسيين والمشردين. وتطالب الهيئات النقابية والمدنية بضرورة إجراء إصلاح هيكلي جذري يعيد الاعتبار للمستشفى الإقليمي ابن باجة، ويضمن توفير التجهيزات الضرورية وتجويد الخدمات الطبية، حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد الصادمة التي تضرب في العمق قيم التضامن الإنساني والحق الأساسي في الحياة والسلامة الجسدية.