الوضع الليلي
Image
  • 11/02/2026
أثمان المقاهي بين قانون السوق وحماية المستهلك: من يراقب ومن يترك الحبل على الغارب؟

أثمان المقاهي بين قانون السوق وحماية المستهلك: من يراقب ومن يترك الحبل على الغارب؟

أثار الارتفاع المفاجئ في أثمان المشروبات والمأكولات داخل عدد من المقاهي المغربية، خاصة خلال التظاهرات الرياضية الكبرى، موجة استياء واسعة في صفوف المواطنين. وقد بلغ هذا الجدل ذروته خلال إحدى مباريات المنتخب الوطني، حين قفز ثمن فنجان القهوة من حوالي 10 دراهم إلى ما يفوق 30 درهماً، في ظرف زمني قصير ودون أي مبرر معلن. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تخضع أثمان المقاهي للقانون أم لمنطق العرض والطلب فقط؟

بين حرية التسعير وحدود الاستغلال

من حيث المبدأ، يشتغل قطاع المقاهي والمطاعم في المغرب ضمن نظام حرية الأسعار، أي أن صاحب المقهى غير ملزم بتسعيرة موحدة تفرضها الدولة. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، ولا تعني بأي حال من الأحوال شرعنة الاستغلال أو استباحة جيوب المستهلكين في لحظات بعينها.

فقانون حرية الأسعار والمنافسة، كما قانون حماية المستهلك، يقرّان بوضوح أن حرية التسعير يجب أن تتم في إطار:

  • الشفافية،
  • عدم الغش،
  • وعدم الاستغلال المفرط للظروف الاستثنائية.

وبالتالي، فإن الرفع الصاروخي للأسعار فقط لأن هناك مباراة، أو توافد جماهيري، أو ظرف استثنائي، يخرج من منطق الاقتصاد السليم إلى منطق الانتهازية التجارية.

العرض والطلب… أم استغلال الظرف؟

كثيراً ما يُبرر هذا السلوك بقاعدة “العرض والطلب”، غير أن هذا التبرير يصبح هشًّا عندما:

  • لا تُعلن الأسعار بوضوح قبل الاستهلاك،
  • يُفاجأ الزبون بالفاتورة بعد الخدمة،
  • أو يُفرض عليه سعر غير معتاد دون خيار بديل.

العرض والطلب يفترضان حرية الاختيار، لا فرض الأمر الواقع. أما حين يتحول الطلب المرتفع إلى فرصة لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، فنحن أمام ممارسة تجارية غير أخلاقية، حتى وإن غُلّفت بشرعية السوق.

أين دور الدولة والمراقبة؟

السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى: أين دور أجهزة المراقبة؟

لدولة، وإن كانت لا تفرض تسعيرة موحدة، فإنها ملزمة بـ:

  • مراقبة احترام إشهار الأسعار،
  • محاربة الغلاء غير المبرر،
  • التدخل عند تسجيل استغلال ظرفي واضح،
  • حماية القدرة الشرائية للمواطن.

غير أن الواقع يكشف عن غياب شبه تام للمراقبة خلال المناسبات الكبرى، وكأن هذه الفترات تتحول إلى مناطق خارجة عن أي ضبط، يُشرّع فيها كل صاحب محل ما يشاء، دون حسيب أو رقيب.

المواطن الحلقة الأضعف

في هذه المعادلة، يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر:

  • لا يملك وسيلة للاعتراض الفوري،
  • لا يجد جهة واضحة للتبليغ،
  • ويُواجه غالباً بمنطق “إن لم يعجبك السعر فغادر”.

هذا الخطاب لا ينسجم مع دولة تسعى إلى ترسيخ ثقافة حقوق المستهلك، ولا مع اقتصاد يطمح إلى العدالة والتوازن.

المطلوب اليوم ليس فرض تسعيرة موحدة على المقاهي، بل:

  • وضع سقوف منطقية للزيادات الظرفية،
  • إلزامية إشهار الأسعار بشكل واضح ومسبق،
  • تفعيل المراقبة خلال التظاهرات الكبرى،
  • وفتح قنوات فعالة لتلقي شكاوى المواطنين.

فحرية السوق لا تعني الفوضى، والتجارة لا تقوم على استغلال اللحظة، بل على الثقة والاستمرارية.

إن ما وقع خلال مباراة المغرب والسنغال ليس حالة معزولة، بل مؤشر على خلل في التوازن بين حرية التاجر وحق المستهلك. وبين منطق العرض والطلب، وواجب الدولة في الحماية، يبقى السؤال مفتوحاً:

هل نريد اقتصاداً حراً يخدم الجميع، أم سوقاً يربح فيها الأقوى فقط؟