الوضع الليلي
Image
  • 11/02/2026
إشكالية رفع السيارات إلى المحجز (الديباناج): حين يتحول تطبيق القانون إلى عبء اجتماعي

إشكالية رفع السيارات إلى المحجز (الديباناج): حين يتحول تطبيق القانون إلى عبء اجتماعي

تشهد العديد من المدن المغربية في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الجدل المرتبط بإجراء رفع السيارات إلى المحجز البلدي (الديباناج) عند تسجيل بعض مخالفات السير، وهو إجراء قانوني في أصله، لكنه يثير إشكالات عميقة عندما يُطبَّق بشكل صارم دون مراعاة للظروف الإنسانية والاجتماعية للمواطنين.

لا أحد يجادل في أهمية تطبيق قانون السير واحترام الملك العمومي، ولا في ضرورة التصدي للفوضى المرورية والوقوف العشوائي الذي يعرقل حركة السير والجولان، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ العقوبة، بل في كيفية تنزيلها، وفي غياب التمييز بين المخالفات الخطيرة وتلك التي لا تشكل تهديداً آنياً للسلامة العامة.

في حالات عديدة، يُفاجأ السائق برفع سيارته إلى المحجز في ظرف وجيز، دون سابق إنذار، حتى عندما تكون المخالفة محدودة أو ناتجة عن ظرف طارئ، كالتوقف الاضطراري لنقل مريض، أو الالتحاق بعمل مستعجل، أو مرافقة شخص في حالة صحية حرجة. هنا يتحول الإجراء من وسيلة ردع قانونية إلى عقوبة مضاعفة تمس بشكل مباشر استقرار المواطن وكرامته.

فرفع السيارة لا يقتصر على تسجيل المخالفة، بل يترتب عنه:

  • أداء غرامة قانونية،
  • مصاريف الديباناج،
  • رسوم الإقامة اليومية بالمحجز،
  • ضياع الوقت والجهد،
  • وأحياناً تعطيل مصدر الرزق، خاصة بالنسبة لأصحاب المهن الحرة وسائقي الأجرة.

إن التطبيق الآلي للقانون، دون مراعاة للبعد الإنساني، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يشعر المواطن بأن الإدارة تمارس السلطة ضده بدل أن تكون في خدمته. وفي حالات أكثر خطورة، قد يشكل هذا الإجراء تهديداً مباشراً لسلامة أشخاص في وضعيات استعجالية، وهو ما يتنافى مع روح القوانين التي وُضعت أساساً لحماية الإنسان قبل كل شيء.

كما أن هذا الأسلوب في الزجر يساهم في تآكل الثقة بين المواطن والسلطة، ويغذي الإحساس بالحيف، خاصة في ظل غياب معايير واضحة تشرح متى يجب الاكتفاء بالمخالفة، ومتى يصبح الحجز ضرورة قصوى.

يرى عدد من المتتبعين أن الاكتفاء بتسجيل المخالفة وتسليمها للسائق يظل إجراءً كافياً في كثير من الحالات، خصوصاً عندما لا تشكل المخالفة خطراً على السير أو على سلامة مستعملي الطريق. كما أن اعتماد سلطة تقديرية مبنية على الحكمة والمرونة من شأنه أن يحقق التوازن بين الردع واحترام الحقوق.

إن دولاً عديدة اختارت مقاربة تدريجية في الزجر، تضع الإنذار والمخالفة في مقدمة العقوبات، ولا تلجأ إلى الحجز إلا في الحالات القصوى، كالتسبب في عرقلة خطيرة، أو تكرار المخالفة، أو تهديد السلامة العامة.

نحو تطبيق عادل لقانون السير

إن إصلاح هذا الوضع لا يتطلب بالضرورة تغيير القوانين، بقدر ما يحتاج إلى حسن تفعيلها، وتكوين أعوان المراقبة على اعتماد مقاربة إنسانية تراعي السياق والظروف، وتُميز بين المخالفة العرضية والسلوك المتهور.

فالقانون، في جوهره، ليس أداة للعقاب فقط، بل وسيلة لتنظيم الحياة المشتركة، وضمان الأمن دون المساس بحقوق المواطنين أو تحميلهم أعباءً إضافية لا مبرر لها.

إن إشكالية الديباناج ورفع السيارات إلى المحجز تطرح اليوم سؤالاً جوهرياً حول حدود السلطة التقديرية في تطبيق القانون، وحول الحاجة إلى مقاربة متوازنة تجعل من تسجيل المخالفة إجراءً كافياً في الحالات غير الخطيرة، وتحصر الحجز في نطاقه الضروري فقط.

فبين صرامة القانون ومرونة التطبيق، تبقى مصلحة المواطن وسلامته هي المعيار الأساس لأي سياسة مرورية عادلة.

هيئة التحرير