الوضع الليلي
Image
  • 04/02/2026
التشريع المدخل الرئيسي لإصلاح التعليم في المغرب: من ضمان المساواة إلى كبح تغول التعليم الخصوصي

التشريع المدخل الرئيسي لإصلاح التعليم في المغرب: من ضمان المساواة إلى كبح تغول التعليم الخصوصي

تواجه المنظومة التعليمية المغربية اليوم موجة متصاعدة من عدم التوازن، يتجلى أبرزها في اتساع الهوّة بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي، وبين القدرة الاقتصادية للأسر وحجم ما تطلبه المؤسسات الخاصة من واجبات مالية متنامية. هذا الاختلال لم يعد مجرد نقاش تربوي أو اجتماعي، بل أصبح قضية تشريعية ومؤسساتية تمس جوهر المواطنة وتكافؤ الفرص. وفي هذا السياق تبرز أهمية التشريع كأداة لإعادة ضبط البوصلة، وفرض قواعد واضحة تضمن جودة التعليم وتمنع تحوّله إلى سلعة تُباع لمن يملك القدرة، وتُحجب عمّن يملك الحق.
1. التشريع: حجر الأساس لأي إصلاح تربوي
التشريع ليس مجرد نصوص قانونية تُدوَّن، بل هو إعلان سياسي ومجتمعي يحدد ما هو ممكن وما هو ممنوع، وما هو حق وما هو امتياز. وفي ورش التعليم، تزداد الحاجة إلى منظومة تشريعية قوية لعدة أسباب:
أولاً: وضع قواعد ملزمة لجميع الأطراف
- القانون هو الوحيد القادر على تحديد:
- المسؤوليات التربوية والإدارية للمؤسسات،
-حقوق التلاميذ والأسر،

- حدود تدخل الدولة في التأطير والمراقبة،
-معايير المردودية والجودة.

بدون قانون صارم وواضح، تتحول المنظومة إلى فضاء متعدد السرعات، تتحكم فيه المصالح واللوبيات بدل المصلحة العامة.
ثانياً: حماية المرفق العمومي من التآكل
تراجع المدرسة العمومية لم يكن وليد السنوات الأخيرة فقط، بل هو نتيجة تخلي تدريجي عن الاستثمار القوي في التعليم العمومي. في غياب تشريعات صارمة تضمن الجودة، تنشأ سوق موازية تستغل هذا الفراغ.
2. التعليم الخصوصي: قطاع يكبر خارج إطار الضبط.

إذا كان المغرب قد اختار منذ التسعينيات تحرير قطاع التعليم الخصوصي وفتحه أمام الاستثمارات، فإن ما حدث عملياً هو أن القطاع نما بسرعة أكبر من قدرة الدولة على ضبطه. يمكن تلخيص أبرز مظاهر الانفلات في ثلاث نقاط:
1. غياب توحيد في المناهج

تطبق مؤسســـات خصــــوصية منـــاهج متباينة:فرنسية،بعثات أجنبية،

برامج خـــاصة معدّة داخـــلياً (دون تقييم بيداغوجي).

هذا التعدد غير المؤطر ينسف مبدأ وحدة المدرسة المغربية، ويخلق جيلاً بمراجع لغوية وقيمية ومعرفية مختلفة، بل متنافرة أحياناً.

  1. الارتفاع المهول في الواجبات الشهرية
    واجهات بعض المؤسسات الخصوصية تسوّق خدماتها التعليمية بأسعار أقرب إلى خدمات النخبة:

- أقسام ابتدائي تتجاوز 1500 إلى 2500 درهم،
- ثانوي يصل إلى 4000 درهم فما فوق،
إضافة إلى مصاريف التسجيل، الحراسة، النقل، التأمين…

هذه الأرقام تُجبِر الأسر على التضحية بمداخيلها الأساسية، وتُعمّق التفاوت الطبقي على مستوى الحق في التعلم.
3. ضعف المراقبة والمحاسبة

خلال خمس سنوات فقط، لم يتجاوز تدخل البرلمان:

13 سؤالاً كتابياً،

17 سؤالاً شفوياً حول التعليم الخصوصي.
هذا الرقم الضئيل يعكس أحد احتمالين:
إما غياب الوعي السياسي بخطورة الملف،
أو وجود لوبي ضاغط يمنع الاقتراب من مصالح هذا القطاع.

  1. لماذا نحتاج إلى تشريع صارم للتعليم الخصوصي؟

التعليم الخصوصي لم يعد مجرد خيار إضافي، بل أصبح ضرورة اضطرارية للعديد من الأسر التي فقدت الثقة في المدرسة العمومية. ومع ذلك، فإن جعل التعليم الخصوصي بديلاً دائماً، دون ضبط أو محاسبة، يؤدي إلى:
أولاً: تكريس تعليم طبقي

تتحول المعرفة إلى امتياز مالي، لا إلى حق دستوري. فيصير مستقبل الأطفال مرهوناً بقدرة أسرهم على الدفع، لا بذكائهم أو تفوقهم.

ثانياً: ضرب مبدأ تكافؤ الفرص

-تلاميذ المؤسسات الخصوصية يحصلون على:

-ساعات إضافية،

-لغات أجنبية متقدمة،

-أنشطة موازية،

- مجموعات صغيرة في القسم. في حين يعاني تلاميذ المدرسة العمومية من:
الاكتظاظ،- نقص الموارد، - تعدد المستويات-
ضعف البنية التحتية.

ثالثاً: خروج بعض المؤسسات عن الرقابة التربوية من حيث:

- التوظيف العشوائي لأساتذة غير مؤهلين،
-عدم احترام الزمن المدرسي،

-اللجوء للربح على حساب الجودة.

  1. التشريع كحل: نحو قانون يحمي المدرسة والمجتمع

لإعادة التوازن، يجب تبني قانون عصري صارم يحدد بوضوح:

  1. معايير الجودة والبرامج

- توحيد الإطار المرجعي للمناهج،

-منع المؤسسات من اعتماد برامج غير مصادق عليها،

- إخضاع كل المحتويات لتقييم وطني.
2. سقف للواجبات الشهرية

على غرار ما هو معمول به في عدة دول:
-تحديد نطاق سعري حسب السلك والموقع والخدمات،

-منع الزيادات غير المبررة.

  1. التزامات اجتماعية إلزامية مثل:

-استقبال 15% من التلاميذ مجاناً أو بنصف التكلفة،

-توفير منح للأسر المعوزة،

-تكوين الأساتذة بشكل مستمر.

  1. تفعيل المراقبة والعقوبات

- لجان منتظمة للمراقبة البيداغوجية والمالية،

-عقوبات تصل إلى سحب الرخصة،

-نشر تقارير دورية للعموم.

5.ربط التعليم الخصوصي كلياً بالمنظومة الوطنية باعتباره جزءاً من المدرسة المغربية وليس قطاعاً مستقلاً.

فلا يمكن للإصلاح التعليمي في المغـرب أن يتحقق بإستراتيجيات ظرفية أو خطابات موسمية. الإصلاح الحقيقي يبدأ من تشريع قوي ينظم العلاقة بين الدولة والمؤسسات والأسر، ويعيد الاعتبار إلى المدرسة العمومية، ويضبط التعليم الخصوصي ضمن الإطار الوطني.

إن استمرار الوضع الحالي يعني:

-تعميق الفوارق الطبقية،

-خلق مدرســــتين بطبـــعتين مختلفتين،
- فتح الباب أمام جيل مفكك الرؤى والقيم.

أما تبني تشريع قوي وحازم، فسيعيد للمدرسة دورها كرافعة للمواطنة والعدالة الاجتماعية، ويضمن تعليماً لا يباع ولا يشترى، بل يُمنح لكل طفل باعتباره حقاً دستورياً لا امتيازاً.

قراءة تحليلية في نجاعة البـــرلمان في مراقبة التعليم الخصوصي.

  1. مؤشـــرات رقمية تكشـــف ضعف الرقابة البرلمانية

عندما نضع 13 سؤالًا كتابيًا و17 سؤالًا شفويًا فقط خلال خمس سنوات، فإننا أمام رقم شديد الضآلة مقارنة بحجم القطاع، وعدد المتعلمين، وحجم الأرباح التي تحققها مؤسسات التعليم الخاص (تقدَّر بمليارات الدراهم سنويًا).
هذا الرقم يكشف:

- غياب المبادرة الرقابية لدى البرلمانيين
رغم أن التعليم الخاص أصبح يشكّل ما بين 15% و20% من المسار الدراسي للتلاميذ، إلا أن حضوره داخل أجندة البرلمان شبه هامشي.

-  ضعف تتبع الملفات المرتبطة بالرسوم، الجودة، العقود، وإغلاق المؤسسات

ملفات تثير احتجاجات قوية لدى الأسر سنويًا لكن لا تتبلور في شكل رقابة مؤسساتية.

- وجود فجوة بين التمثيل السياسي والاهتمامات المجتمعية.

احتجاجات الأسر أمام المؤسسات الخاصة خلال الدخول المدرسي تُظهر حجم التوتر، لكن البرلمان لا يعكس ذلك بنفس القوة.
2. هل نحن أمام «لوبي تعليم خصوصي» يضغط لتخفيف المراقبة؟

هذا السؤال مشروع بالنظر إلى عدة مؤشرات:

أولاً: التشابك المالي والسياسي

العديد من أصحـــــاب المؤسسات الخــــاصة منخرطـــون في الغرف المهنية، الجمعيات الاقتصادية، وبعض شبكات رجال الأعمال داخل الأحزاب.

الاستثمارات في التعليم الخـاص تعتبر من أكثر القطاعات ربحية وأقلها مخاطرة، وهذا يجعـلها مجـــالاً جاذبًا لشخصيات نافذة.
ثانيًا: غياب مقترحات قوانين حقيقية لتنظيم القطاع.

خلال آخر ولايتين تشريعيتين، نادراً جداً ما طُرحت مقترحات قوانين من طرف الفرق البرلمانية تهدف لتشديد الرقابة على المدارس الخاصة، خصوصًا في:

- تحديد سقف الرسوم.

- منع الزيادات غير المبررة.

- فرض الشفافية المحاسباتية.

- مراقبة جودة المدرّسين.

-إلزام المؤسسات بعقود واضحة

- غالب ما يطرح لا يتجاوز أسئلة ظرفية حول دخول مدرسي متشنج.

ثالثًا: قوة التنظيم القطاعي والضغط عبر الجمعيات المهنية.

- جمعيات التعليم الخاص تمتلك:

- قدرة تفاوضية عالية.

-علاقات مؤسســــاتية مع وزارة التــــربية والاقتصاد

- لوبيات تشتغل عبر منصات الحوار الاجتماعي

- تقارير قوية حول «دور القطاع في التخفيف عن الدولة» وبالتالي أصبح القطاع يمتلك قدرة ضغط مؤسساتية تمنع أي مبادرات تعتبر مضرة بـ»حرية الاستثمار».

مشروع القانون 59.21 أول محاولة لإعادة تنظيم التعليم المدرسي، لكنّ ضعف الرقابة البرلمانية جعل المشروع:

-  لا يتضمن سقفًا للرسوم المدرسية (وهو مطلب شعبي وحقوقي منذ سنوات)

- لا يلزم القطاع الخاص بلعب أدوار اجتماعية واضحة (كحصة مجانية أو دعم فئات هشة)

- لا يفرض محاسبة مالية شفافة.

- لا يحدد إطارًا صارمًا لعقود الشغل داخل مؤسسات التعليم الخاص.

البرلمان لم يمارس ضغطًا كافيًا لتحسين هذه الجوانب، ما يعزز فرضية هيمنة مصالح اقتصادية نافذة تقوّض الدور الرقابي.

3.النتائج المجتمعية لضعف الرقابة البرلمانية.

- تضخم أسعار التعليم الخاص بشكل غير مضبوط.

بإمكان المؤسسات رفع الرســـوم سنويًا دون معايير واضحة.

-استمرار هشاشة وضع الأساتذة في القطاع الخاص.

فراغ تشريعي يضعهم خارج حماية القانون، وكأنهم في قطاع غير مقنن.

-غياب التـــوازن بين التعـــليم العمـــومي والخصوصي.

- نمو القطاع الخاص أصبح يتم غالبًا على حساب تراجع ثقة الأسر في العمومي، دون أن يكون هذا النمو مؤطرًا أو مُراقبًا.

-تعزيز الإحساس بانعدام المساواة.

- فوارق طبقية متزايدة بين من يستطيع تحمل المصاريف ومن لا يستطيع.

  1. خلاصة تحليلية.

ضعف الرقـــابة البرلمانية ليس مجرد صدفة رقمية، بل هو انعكاس لواقع مؤسساتي يتميز بـ:

- نفوذ اقتصادي قوي لمالكي مؤسسات التعليم الخاص.

- هشاشة ثقافة المحاسبة خاصة في القطاعات ذات العائد الكبير

-غياب جرأة تشريعية للتدخل في «قطاع حساس»

- احتمال وجود ضغط مباشر أو غير مباشر على الفاعلين السياسيين.

-هيمنة المصالح الخاصة على المصلحة العامة في ملف استراتيجي.

ومشروع القانون 59.21، رغم أهميته، جاء في سياق سياسي لا يمارس فيه البرلمان رقابة حقيقية على هذا القطاع، مما جعله مشروعًا لا يغيّر قواعد اللعبة بقدر ما يقوم بترتيبها فقط.

أهم المقتضيات الخاصة بالتعليم

الخاص في مشروع 59.21

إعادة تنظيم قانون التعليم الخاص.

- مشروع 59.21. يضع شروط وضوابط جديدة على المدارس الخصوصية من جهة التأسيس والتسيير.
شفافية الرسوم والالتزام المالي.

- يلزم مؤسسات التعليم الخاص بنشر لائحة الرسوم والخدمات المقدّمة (التسجيل، المصاريف، التأمين،  هذا التزام يهدف إلى منع “الإعلانات المضللة” أو الرسوم غير المعلنة التي قد تفرضها بعض المدارس.

- مراقبة تربوية وإدارية وصحية.

مؤسسات التعليم الخاص ستكون خاضعة لمراقبة دورية من الأكاديميات التربوية (التفتيش الإداري والتربوي) عبر لجان متخصصة تتألف من موظفين إداريين وتربويين.

-يتم فحص المرافق والتجهيزات الصحية كذلك ضمن هذه المراقبة.

- غرامات وعقوبات.

هناك غرامات مالية مهمة: من 10,000 إلى 50,000 درهم على من يفتح أو يدير مؤسسة خاصة بدون ترخيص، أو يغير مقر المؤسسة، أو برامجها، أو المنهج أو الكتب بدون موافقة.

أيضًا، غرامات أخرى (حسب بعض المصادر) بين 5,000 و20,000 درهم لمخالفات مثل تشغيل أساتذة غير مؤهلين تربويًا أو نقل معلومات مضللة عن جودة التعليم.

- منع الإغلاق المفاجئ.

لا يسمح لمالك مؤسسة خصوصية بإغلاق المؤسسة قبل نهاية السنة الدراسية، إلا في حالات القوة القاهرة، مع إلزام بإعلام الأكاديمية المعنية.

في حالة إغلاق قسري (قوة قاهرة)، على الأكاديمية أن تتدخل لضمان استمرار التلاميذ في الدراسة، إما عبر الإشراف المباشر أو نقلهم إلى مؤسسة عامة قريبة.

- شروط التسيير البشري.

بمقتضى القانون، بعض شروط التعيين أو التسيير للإدارة التربوية في المؤسسات الخاصة، مثل ترخيص الأكاديمية لمديرين أو مؤطرين.
كما أن هناك اشتراطًا لتوفر مؤهلات تربوية معينة لدى الأساتذة الذين يشتغلون في هذه المؤسسات.

التأمين

يتضمن القانون التزامًا بتأمين جميع التلاميذ في مؤسسات التعليم (بعض المصادر تشير إلى تأمين صحي أو تأمين ضد الحوادث) داخل المدارس الخاصة.

- حكم المؤسسات والحوكمة

هنــــاك قواعد واضــحة لحوكمة المـــدرّس أو المؤسسة الخاصة:

- ترخيص الأكاديمية، مراقبة، التزام بالمناهج، تغيير البرامج أو الكتب لا يمكن إلا بموافقة.
انتقادات المخاطر من الخصخصة.

بعض النقابات والفاعلين التربويين يرون أن هذا القانون قد يفتح الباب أمام “تغوّل القطاع الخاص” ويشكل تهديدًا لمبدأ مجانية التعليم أو تكافؤ الفرص.

ؤكد مصادر مطلعة أن لجنة الشؤون القانونية، التابعة للجنة الوطنية المكلفة بتنزيل القانون الإطار رقم 51.17، لم تُصدر بعد قراراً نهائياً بشأن مشروع المرسوم المتعلق بمساهمة مؤسسات التعليم الخصوصي في تقديم خدمات مجانية لأبناء الأسر المعوزة، وذوي الإعاقة، والموجودين في وضعيات اجتماعية خاصة.
ويعود سبب هذا التأخر إلى وجود مجموعة من الإشكالات التقنية والمعايير غير المحسومة، خاصة ما يتعلق بنسبة الاستفادة، وشروط تطبيقها، ومَن سيتولى توفير الحقيبة المدرسية.
وتوضح المصادر نفسها أن النقاش داخل اللجنة لم يستنفد بعد مداه، ولم يحظَ المرسوم بالوقت الكافي للدراسة، خصوصاً أنه يتضمن نقاطاً تقنية تعتبرها مؤسسات التعليم الخصوصي جوهرية وتحتاج إلى وضوح قبل الانتقال إلى مرحلة المصادقة.
وكانت اللجنة قد بدأت، منذ 8 يوليوز2025، مناقشة مشروع مرسوم رقم 2.21.81، الذي يحدد شروط ونِسب مساهمة المؤسسات الخصوصية في تقديم خدماتها بالمجان لفائدة الفئات سالفة الذكر، على أساس نسبة لا تقل عن 15% من مجموع التلاميذ المسجلين بكل مؤسسة.

غير أن ممثلي مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي عبّروا عن تساؤلات حول الأساس الذي تم اعتمادُه لتحديد هذه النسبة، معتبرين أن الأمر يجب أن يستند إلى معايير عديدة، منها: الوضعية المالية للمؤسسة، قدرتها على تحمّل هذه النسبة، حجمها (صغرى أم كبرى)، وهامش الربح.
ويؤكد هؤلاء أن عدداً من هذه المحددات غائب في الصيغة الحالية للمرسوم.
وتهمّ التساؤلات المطروحة أيضاً قضايا تقنية حساسة، أبرزها:

الجهة التي ستتكلف بالحقيبة المدرسية، خاصة أن كتب ومستلزمات التعليم الخصوصي ذات تكلفة مرتفعة،
وكيفية توفير النقل المدرسي للتلاميذ المستفيدين، خصوصاً بوجود مؤسسات لا تتوفر أصلاً على هذه الخدمة.
وتضيف المصادر أن مؤسسات التعليم الخصوصي تثير كذلك مسألة العدالة المجالية في تنزيل هذه المساهمة، بحكم أن معظم الأسر المعوزة تقطن في أحياء هامشية، وهو ما قد يخلق صعوبات لوجستيكية عند توزيع المستفيدين.
كما تطرح إشكالية ولوجيات الأشخاص في وضعية إعاقة، إذ لا تتوفر كل المؤسسات على البنيات الملائمة لاستقبالهم.

ورغم تأكيد المهنيين أنهم لا يعارضون مبدأ التضامن المدرسي، فإنهم يشددون على ضرورة تضمين المرسوم إجابات واضحة حول هذه النقاط قبل الانتقال إلى مرحلة التطبيق.

وينص مشروع المرسوم على دخوله حيز التنفيذ ابتداءً من الموسم الدراسي 2025-2026، مع إلغاء كل المقتضيات المخالفة ابتداء من التاريخ نفسه، في حال تمت المصادقة عليه في صيغته النهائية.

وبخصوص التساؤلات حول مدى إمكانية تنزيله في الموسم المقبل، في ظل تأخر الحسم في نصه، توضح المصادر أن إجراءات إعادة التسجيل مؤطرة بمذكرة وزارية تحدد تواريخ محددة تنطلق في نهاية السنة الدراسية، وهو ما يجعل فرض إلزاميات جديدة في آخر لحظة أمراً غير واقعي.
وتؤكد أن تنزيل المرسوم بشكل سليم يتطلب وقتاً كافياً وتوضيحاً كاملاً لكل الإشكالات العالقة.

في خضم النقاش المتواصل حول دور التعليم الخصوصي في تعزيز العدالة الاجتماعية وضمان مبدأ تكافؤ الفرص، عاد إلى الواجهة مشروع مرسوم حكومي يقضي بإلزام مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي باستقبال وتمدرس ما لا يقل عن 15 في المائة من أبناء الأسر المعوزة وذوي الاحتياجات الخاصة بالمجان.
مشروع يراه جزء من المتتبعين خطوة لإرساء إنصاف أكبر في الولوج إلى تعليم جيد، فيما يعتبره آخرون إخلالًا بمبدأ التعاقد وضغطًا إضافيًا على المؤسسات الخصوصية التي تشتغل وفق نموذج اقتصادي خاص.
ورغم تأكيد وزارة التربية الوطنية أن هذا الإجراء يندرج ضمن تنزيل مقتضيات القانون الإطار 17.51، فإن أصواتًا من داخل القطاع الخصوصي تطالب بإعادة النظر في الصيغة المقترحة، وفتح مشاورات أوسع لصياغة بديل “أكثر توازنًا”.
           مواقف القطاع الخصوصي:

قرار خارج روح التعاقد

محمد حنصالي، الرئيس الوطني لرابطة التعليم الخاص، أوضح أن مشروع المرسوم، “رغم ما يحمله من خلفيات اجتماعية، يفرض التزامات مجانية إجبارية على مؤسسات تعليمية تشتغل بموجب تراخيص واضحة وعقود تحدد طبيعة الخدمات المقدمة”.

واعتبر أن إلزام المؤسسات الخصوصية بتمدرس 15 بالمائة من الفئات الهشة “يتعارض مع مبدأ العدالة التعاقدية، ويحمّل مؤسسات خاصة مسؤوليات اجتماعية من صميم اختصاص الدولة”.

وأكد حنصالي أن الأمر “سيكون له أثر مباشر على استقرار المؤسسات وعلى آلاف مناصب الشغل المرتبطة بها”، مشيرًا إلى أن القطاع “منخرط أصلًا في مبادرات اجتماعية متعددة في إطار المسؤولية المواطنة، لكن ذلك يجب أن يتم وفق تعاقدات واضحة، وليس بقرارات فوقية”.
ودعا إلى سحب المشروع بصيغته الحالية وفتح نقاش موسّع لإعداد تصور بديل يضمن “عدالة التعاقد، وحماية الفئات الهشة، واحترام طبيعة القطاع”.


وجهة نظر الأسر:

خطوة نحو تكافؤ الفرص


في المقابل، يرى نور الدين عكوري، رئيس فيدرالية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ بالمغرب، أن مقتضيات القانون الإطار تلزم مؤسسات التعليم الخصوصي بإدماج التلاميذ المعوزين وذوي الإعاقة، وأن تخصيص نسبة 15 بالمائة “ليس إجراءً جديدًا، بل تفعيل لنص قانوني ظل لسنوات غير قابل للتنزيل بسبب غياب النِّسب المحددة”.
ويضيف أن “الكثير من المؤسسات التعليمية لا تطبق أي إجراء من هذا النوع، بالرغم من وضوح مبدأ الإدماج في النصوص التشريعية”.

ويرى عكوري أن الأسر تعتبر هذا المرسوم “خطوة فعلية نحو ضمان تكافؤ الفرص، خاصة بالنسبة للتلاميذ المتفوقين المنحدرين من أسر محدودة الدخل، ممن حُرموا سابقًا من الولوج إلى المدارس الخصوصية بسبب التكلفة المرتفعة”.
ودعا إلى تشكيل لجنة مشتركة تضم الوزارة والقطاع الخصوصي وجمعيات الآباء من أجل صياغة آلية تطبيق عادلة، تأخذ بعين الاعتبار وضعيات المؤسسات، وحاجيات التلاميذ، ومتطلبات الإدماج من ولوجيات ودعم لوجستي.
بين الإلزام والتنزيل: مخاوف من أن يتحول النص إلى “حبر على ورق”

في ظل تباين المواقف، ترتفع الدعوات إلى تحديد معايير واضحة لتطبيق نسبة 15 بالمائة، وضمان عدالة مجالية في توزيع المستفيدين، وتوضيح الجهة التي ستتكفل بالنقل المدرسي والحقيبة المدرسية في حالة التلاميذ المعوزين.
وتشير أصوات حقوقية وتربوية إلى أن أي تنزيل غير مدروس قد يخلق اختلالات جديدة بدل معالجة أوجه اللاّعدالة القائمة، خاصة في ظل غياب ولوجيات مناسبة في عدد كبير من المؤسسات الخصوصية.

ومع استمرار الجدل، يبقى التحدي الأساس هو ضمان ألا يبقى هذا المقتضى القانوني مجرد نص معلّق، وأن يتحقق فعليًا مبدأ الإنصاف في الولوج إلى التعليم، بعيدًا عن الوضعية الاجتماعية أو الصحية للتلميذ.

خلاصة حول آفاق الإصلاح

الشامل للتعليم في المغرب.

يعيش قطاع التعليم في المغرب مرحلة مفصلية تتسم بارتفاع سقف الانتظارات المجتمعية، وتزايد الحاجة إلى مدرسة عمومية قوية ومنصفة وقادرة على إعداد أجيال مؤهلة للمستقبل. ورغم تعدد البرامج الإصلاحية التي عرفها القطاع منذ بداية الألفية، فإن مردوديتها ظلت محدودة بفعل ضعف الحكامة، وتشتت الرؤية، وتداخل الأدوار بين الفاعلين. لذلك أصبح الإصلاح الشامل ضرورة وطنية تتجاوز المقاربات التقنية إلى إصلاح بنيوي عميق.

يتمثل جوهر الإصلاح اليوم في تنزيل المدرسة العمومية الجديدة التي تقوم على الجودة، والإنصاف، وربط التعلم بالكفاءات الحياتية والمهنية. ويتطلب ذلك إعادة هيكلة منظومة التكوين والبرامج، وتحسين مهنة التدريس وحمايتها من الهشاشة، وإرساء تقييم صارم للأداء التعليمي. كما أضحى من الضروري ضبط التعليم الخصوصي باعتباره جزءاً من المنظومة وليس قطاعاً موازياً، عبر تقوية الإطار القانوني وتنظيم الواجبات المدرسية وضمان احترام المناهج الوطنية.

على مستوى الحكامة، تستدعي المرحلة تفعيل الجهوية في تدبير التعليم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخفيف البيروقراطية التي تعطل برامج الإصلاح. أما التمويل، فيتطلب مقاربة مستدامة تستثمر في الطفولة المبكرة، وتثمن البحث العلمي، وتُشرك الجماعات الترابية والقطاع الخاص دون التفريط في دور الدولة المركزي.

إن آفاق الإصلاح الشامل للتعليم في المغرب رهينة بقدرة المنظومة على الانتقال من إصلاحات جزئية ومتفرقة إلى تحول بنيوي متكامل يجعل المدرسة فضاءً للارتقاء الاجتماعي، ويعيد الثقة إلى الأسر، ويربط التعلم بمشروع تنموي وطني يقوم على المعرفة والابتكار.

 

التعليم الخصوصي: فاعل إيجابي

أم عقبة أمام تطوير التعليم

 العمومي؟

يحتل التعليم الخصوصي موقعًا مركبًا داخل المنظومة التعليمية، إذ يتأرجح دوره بين المساهمة في التنويع التربوي من جهة، وتعميق الفوارق الاجتماعية من جهة ثانية. ولذلك يصعب تصنيفه بشكل تبسيطي كفاعل إيجابي أو سلبي، بل يجب فهمه في سياق علاقة تكاملية ـ أو تنافسية ـ مع المدرسة العمومية.
1. حين يكون التعليم الخصوصي فاعلًا إيجابيًا

يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دورًا بنّاءً عندما:

يقدّم عرضًا تربويًا متنوعًا يخفف الضغط عن المدرسة العمومية.

يوفّر ابتكارًا بيداغوجيًا يصعب على القطاع العام تحقيقه بسرعة (ذكاء اصطناعي، لغات، مشاريع…).

يشجع على التنافسية الجيدة في مجال الجودة، بما يدفع المنظومة نحو التطوير.
يخلق فرص شغل ويساهم في دينامية اقتصادية مكمّلة.

في هذه الحالة يصبح التعليم الخصوصي عنصرًا داعمًا للمنظومة،

شريطة أن يعمل تحت رقابة واضحة وأن يحترم معايير الجودة والإنصاف.
2. حين يتحول التعليم الخصوصي إلى عقبة.

غير أن التجربة المغربية تكشف أيضًا أن هذا القطاع قد يشكل عقبة أمام إصلاح المدرسة العمومية، خصوصًا عندما: يتحول إلى قطاع تجاري غير مضبوط بمناهج وأسعار تخضع للمنافسة الربحية لا للمعايير التربوية.
يؤدي إلى استنزاف الأطر التربوية من القطاع العام، مما يزيد من ضعف المدرسة العمومية.

- يعمق الفوارق الطبقية ويخلق تعليمًا مزدوجًا: مدرسة للفقراء وأخرى للأغنياء.

- يساهم في تبخيس صورة التعليم العمومي، مما يضعف ثقة الأسر في المدرسة باعتبارها مؤسسة وطنية مشتركة.

- يضغط على الحكومة لتأجيل إصلاحات جوهرية خوفًا من صدام المصالح.

 

3.الإشكال الحقيقي:

 

- غياب إطار حكامة واضح

-ليس المشكل في وجود القطاع الخاص،

بل في غياب تشريع دقيق يضبط المناهج، الواجبات الشهرية، الإشهار التربوي،

واستعمال الفضاءات.

-ضعف المراقبة البيداغوجية وجودة المدرسين.

غياب التنسيق بين القطاعين لإنتاج تكامل فعلي وليس منافسة غير متكافئة.
4.خلاصة.

التعليم الخصوصي في المغرب ليس فاعلًا إيجابيًا مطلقًا ولا عقبة مطلقة، بل هو قطاع ذو وجهين: يمكن أن يدعم المنظومة حين يخضع للضبط والحكامة، لكنه يتحول إلى معيق حين يُترك دون إطار تشريعي صارم. الإصلاح الحقيقي يبدأ من تقوية التعليم العمومي باعتباره العمود الفقري للعدالة الاجتماعية، ثم تنظيم القطاع الخاص ليكون مكملًا لا بديلًا.