الوضع الليلي
Image
  • 03/06/2026
تحولات عميقة وأزمة صامتة تطرق أبواب مراكز الاتصال بالمغرب

تحولات عميقة وأزمة صامتة تطرق أبواب مراكز الاتصال بالمغرب

تعيش الأوساط المهنية والاقتصادية في المغرب على وقع ترقب حذر يشوبه الكثير من القلق، عقب صدور تقارير إعلامية دولية ووطنية تحذر من أزمة خانقة قد تعصف بقطاع مراكز الاتصال وخدمات الزبناء (الأوفشورينغ) في المملكة. هذا القطاع الذي ظل لسنوات طويلة يمثل أحد الروافد الأساسية لامتصاص البطالة بين حاملي الشهادات والشباب الشغوف باللغات، يجد نفسه اليوم أمام جبهتي مواجهة شرستين: تشريعات أوروبية صارمة تقيد نشاطه، وزحف تكنولوجي جارف يقوده الذكاء الاصطناعي التوليدي، مما يهدد بشكل مباشر أزيد من خمسين ألف منصب شغل مباشر.
وتعود جذور الأزمة المقلقة إلى التعديلات التشريعية الأخيرة التي أقرتها فرنسا، الشريك الاقتصادي الأول للمغرب في هذا المجال. فالقانون الفرنسي الجديد الخاص بالتسويق الهاتفي، والمقرر دخوله حيز التنفيذ الفعلي في غشت وشتنبر من العام الجاري 2026، يضع قيوداً صارمة تمنع منعاً باتاً إجراء أي مكالمات تجارية أو تسويقية للمستهلكين دون الحصول على موافقتهم المسبقة والصريحة. وبما أن السوق الفرنسية تستحوذ وحدها على ما يناهز ثمانين في المائة من رقم معاملات مراكز الاتصال بالمملكة، فإن هذا التحول القانوني يضرب في العمق النموذج الاقتصادي القائم على المكالمات الصادرة (Outbound)، مهدداً المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكل النسيج الأكبر للقطاع، لكونها لا تملك المرونة المالية الكافية للتكيف مع هذه الاشتراطات المعقدة.
ولم تقف تداعيات هذا القرار عند حدود التكهنات، بل وصلت أصداؤها إلى قبة البرلمان المغربي ومكاتب وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات. وتشير البيانات المتداولة في النقاشات الرسمية إلى أن ما يقارب ستين في المائة من نسيج المقاولات العاملة في هذا الميدان تواجه خطراً حقيقياً بالإفلاس أو تقليص الأنشطة. ويمتد هذا التهديد ليمس حركية التشغيل في مدن كبرى مثل طنجة، وتطوان، وفاس، ومراكش، وهي حواضر اعتمدت لسنوات على هذه المراكز كمتنفس اجتماعي واقتصادي أساسي لتوظيف الشباب بمؤهلات لغوية، دون اشتراط دبلومات تقنية أو أكاديمية عالية.
إلى جانب الحصار القانوني الفرنسي، يبرز التطور المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي كعامل حسم قد يعجل بتغيير ملامح القطاع بشكل جذري. فالشركات العالمية بدأت بالفعل في استبدال العنصر البشري في الخدمات الروتينية والأسئلة المتكررة بأنظمة ذكية للدردشة التفاعلية والمساعدين الصوتيين المتقدمين. هذه الأتمتة لم تعد مجرد خيار مستقبلي بل تحولت إلى واقع معيش يقلص الحاجة إلى الموارد البشرية لخفض التكاليف، مما يجعل الوظائف التقليدية البسيطة داخل مراكز النداء أولى ضحايا هذه الثورة الرقمية.
أمام هذا الوضع المعقد، تؤكد الهيئات النقابية والمهنية على ضرورة التدخل المستعجل للحكومة عبر وضع خطة إنقاذ استباقية ومواكبة المقاولات المتضررة لحماية السلم الاجتماعي. ويرى خبراء الاقتصاد أن النجاة من هذه العاصفة تتطلب تحولاً هيكلياً جذرياً في استراتيجية قطاع "الأوفشورينغ" المغربي. ويشمل هذا التحول الانتقال السريع من الخدمات التجارية البسيطة والمكالمات العشوائية منخفضة التكلفة، نحو تقديم خدمات ذات قيمة مضافة عالية ترتكز على تجارب العملاء الرقمية الموحدة (CX) والدعم الفني المعقد الذي يصعب على الآلة تعويضه في الوقت الراهن. كما بات لزاماً توجيه برامج التكوين وتأهيل الكفاءات نحو مهارات الاقتصاد الرقمي الحديث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لتحويل التهديد التكنولوجي الحالي إلى فرصة لإعادة تموقع المغرب كمنصة إقليمية رائدة في الخدمات الرقمية المتطورة.