الوضع الليلي
Image
  • 09/06/2026
مربو الدجاج بالمغرب يبيعون منتوجهم بنصف تكلفة إنتاجه والقطاع يدق ناقوس الخطر الأخير

مربو الدجاج بالمغرب يبيعون منتوجهم بنصف تكلفة إنتاجه والقطاع يدق ناقوس الخطر الأخير

شهد قطاع تربية دجاج اللحم في المغرب خلال الآونة الأخيرة هزة بنيوية عنيفة، دفعت بالجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم إلى الخروج ببيان استنكاري شديد اللهجة، يدق ناقوس الخطر حول وضعية باتت تنذر بإفلاس جماعي وشيك لآلاف المربين الصغار والمتوسطين عبر التراب الوطني. هذا التحذير لم يكن مجرد صرخة عادية في قطاع حيوي، بل جاء معززاً بأرقام صادمة تعكس حجم النزيف المالي الذي يتكبده المهنيون يومياً، وسط صمت مطبق من الجهات الوصية واستمرار الاختلالات البنيوية التي تعيق استقرار أسواق اللحوم البيضاء في المملكة.
وتتجلى معالم هذه الأزمة الحادة في الهبوط الحاد وغير المسبوق لأسعار بيع الدجاج الحي بداخل الضيعات، حيث تراجعت لتصل في كثير من المناطق إلى ما دون سبعة دراهم للكيلوغرام الواحد. هذه الأرقام تصبح كارثية عند مقارنتها بالتكلفة الحقيقية للإنتاج التي يؤديها المربي، والتي تتراوح بين خمسة عشر وسبعة عشر درهماً للكيلوغرام، نتيجة للارتفاع الصاروخي والمستمر في أسعار الأعلاف المركبة والمواد الأولية في الأسواق الدولية والوطنية. هذا التفاوت الشاسع يعني ببساطة أن المربين يبيعون منتوجهم بخسارة تفوق نصف تكلفة الإنتاج، مما يستنزف سيولتهم المالية ويدفع بجلهم نحو ردهات المحاكم بسبب تراكم الديون وتوالي الشيكات بدون رصيد.
وتعزو الهيئات المهنية وعلى رأسها الجمعية الوطنية هذه الانتكاسة غير المسبوقة إلى أزمة فائض حاد في الإنتاج الوطني، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن حجم الإنتاج قفز بشكل مفاجئ ليتراوح بين أربعة عشر وخمسة عشر مليون طائر، في وقت لا تتعدى فيه القدرة الاستيعابية والطلب الفعلي للمستهلك المغربي حاجز ثمانية إلى تسعة ملايين طائر. هذا الخلل الصارخ في ميزان العرض والطلب فتح الباب على مصراعيه لسيطرة المضاربين والوسطاء المعروفين في الأوساط الشعبية بـ"الشناقة"، الذين يستغلون حاجة المربي الصغير لبيع محصوله بسرعة لتفادي مصاريف العلف اليومية الزائدة، فيشترون المنتوج بأثمنة بخسة ويعيدون توجيهه إلى أسواق التقسيط بهوامش ربح مرتفعة لا تنعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطن.
ولم تتوقف اتهامات الجمعية عند عشوائية التسويق، بل امتدت لتطال بعض المحاضن والشركات الكبرى المنتجة للكتاكيت، حيث تم اتهامها بالتلاعب بالأرقام الرسمية وإيهام المربين بوجود خصاص حاد في السوق لرفع أسعار "كتكوت اليوم الواحد" إلى مستويات قياسية ناهزت عشرة دراهم خلال الفترة التي سبقت عيد الأضحى، ليتفاجأ الجميع بعدها بإغراق الأسواق بفائض ضخم من الطيور أدى إلى انهيار الأسعار الحالية. هذا السلوك الاستقوائي في السوق يبرز غياب المراقبة الصارمة وشبهة التواطؤ التي تخدم مصالح لجان واحتكارات معينة على حساب الحلقة الأضعف في السلسلة وهو المربي البسيط.
إن استمرار هذا الوضع الكارثي لا يهدد فقط الاستقرار الاجتماعي لآلاف العائلات التي تعيش من هذا النشاط، بل يشكل تهديداً مباشراً ومستقبلياً للأمن الغذائي والسيادة الغذائية للمغرب. فالانهيار الحالي ودفع المربين الصغار إلى مغادرة القطاع بشكل جماعي سيؤدي حتماً في الشهور القليلة المقبلة إلى خصاص حاد وجاف في المعروض من اللحوم البيضاء، وهو ما سينتج عنه قفزة جنونية في الأسعار قد تعجز الأسر المغربية ذات الدخل المحدود عن تحملها، خاصة وأن الدجاج يعتبر البديل الأساسي والوحيد للحوم الحمراء التي تشهد هي الأخرى غلاءً غير مسبوق.
أمام هذا المشهد القاتم، تطالب الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم بتدخل فوري وحازم من طرف وزارة الفلاحة ومجلس المنافسة لفتح تحقيق شفاف في منظومة إنتاج وتسويق الدواجن، والضرب بيد من حديد على أيدي المضاربين والمحتكرين. كما يشدد المهنيون على ضرورة إقرار آليات لدعم المربين المتضررين وإعادة هيكلة القطاع عبر إشراك الجمعيات المهنية الحقيقية في صياغة القرارات، وضمان الشفافية في تحديد أسعار الكتاكيت والأعلاف، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة التوازن لقطاع يمثل ركيزة أساسية في معيش المغاربة اليومي.