رمضان بين روحانية الصيام وطقوس التخمة: مفارقة الجوع والتبذير
يحل شهر رمضان كل عام حاملاً معه نسائم الرحمة، وفرصة ذهبية لتهذيب النفس وترويض الشهوات. فلسفة الصيام في
جوهرها قائمة على "الحرمان المؤقت" للشعور بمعاناة الفقراء، والسمو بالروح عن الماديات. ولكن، في واقعنا المعاصر،
تحول هذا الشهر لدى شريحة واسعة من الأمة الإسلامية إلى موسم كرنفالي للاستهلاك المفرط، لتبرز مفارقة صارخة:
كيف لأمة تصوم عن الطعام نهاراً تقرباً لله، أن تتحول ليلاً إلى أمة تُلقي بأطنان من الطعام في القمامة؟
1. فلسفة الجوع: لماذا نصوم؟
قبل الخوض في مظاهر الإسراف، يجب العودة للأصل. شُرع الصيام لغاية عظمى هي "التقوى" والزهد. إنه دورة
تدريبية سنوية لتعليم الإنسان كيف يقول "لا" لرغباته البيولوجية الأساسية.
الشعور بالآخر: الجوع الاختياري يوقظ الضمير تجاه الجوع الإجباري الذي يعيشه ملايين الفقراء.
الصحة الجسدية: فرصة لإراحة الجهاز الهضمي وتخليص الجسم من السموم.
التهذيب الروحي: كسر حدة الشهوة لتمكين الروح من الصفاء.
2. الانقلاب الكبير: من التقشف إلى "هستيريا التسوق"
مع اقتراب هلال رمضان، تعلن الأسواق حالة الطوارئ، ليس لنقص في الغذاء، بل لاستيعاب "تسونامي" الشراء. تشير
الإحصائيات في العديد من الدول العربية إلى أن استهلاك الأسر يرتفع بنسبة تصل إلى 50% - 100% في رمضان
مقارنة بباقي شهور السنة.
حمى الشراء: يتصرف الصائم وكأنه مقبل على مجاعة، مدفوعاً بـ "شهوة العين" التي تتسع كلما اشتد الجوع،
فيشتري أضعاف حاجته الفعلية.
التنوع المفرط: لم تعد المائدة تكتفي بصنف أو صنفين، بل أصبح "تكدس الأصناف" معياراً للكرم الاجتماعي،
مما يؤدي حتماً لفائض لا يمكن استهلاكه.
3. التباهي الإلكتروني: موائد "الإنستغرام"
لعل أخطر ما في ظاهرة الإسراف الحديثة هو دخول "الرياء الإلكتروني" على الخط. لم يعد الطعام مجرد قوت، بل
أصبح مادة للاستعراض.
الموائد "الفوتوجينيك": يتم هندسة المائدة لتكون لوحة فنية للتصوير قبل الأكل. الهدف هنا ليس إشباع الجوع،
بل إشباع "الأنا" وجمع الإعجابات.
جرح مشاعر المحتاجين: في الوقت الذي تعاني فيه أجزاء من الأمة (كغزة، السودان، واليمن) من الجوع
الحقيقي والموت نقصاً في الغذاء، تمتلئ منصات التواصل بصور اللحوم والحلويات التي يلقى نصفها في
القمامة. هذا التناقض يعكس انفصاماً شعورياً خطيراً عن جسد الأمة الواحد.
4. مأساة حاويات القمامة: الوجه القبيح للإسراف
بعد انقضاء وقت الإفطار بدقائق، تبدأ المأساة الحقيقية. الأرقام الرسمية في دول الخليج والمشرق والمغرب العربي
مرعبة:
أطنان من الأرز، الخبز، واللحوم المطهية تنتهي في مكبات النفايات.
هذا الهدر ليس مجرد خسارة مالية، بل هو "كفر بالنعمة" (بالمفهوم الديني) واستنزاف للموارد الطبيعية والجهد
البشري الذي بُذل لإنتاج هذا الطعام.
يقول الله تعالى: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، فكيف نطلب المغفرة ونحن نمارس ما لا
يحبه الله؟
5. التخمة وتغييب الروحانية
النتيجة الحتمية لهذا الإفراط في الطعام هي "التخمة". وبدلاً من أن يكون الجسد خفيفاً نشيطاً لصلاة التراويح وقيام الليل،
يصاب بالخمول والكسل الشديد.
تتحول الدورة الدموية بالكامل للمعدة لهضم الكميات الهائلة من الدهون والسكريات.
يصبح العقل مشوشاً والجسد ثقيلاً، فتضيع حلاوة المناجاة، ويتحول الشهر من موسم للعبادة إلى موسم للنوم
والتطبيب من عسر الهضم.
نحو رمضان واعٍ
إن إعادة الاعتبار لرمضان تتطلب ثورة في المفاهيم والسلوكيات:
1. ثقافة "الطبق الواحد": العودة للبساطة والاكتفاء بصنف رئيسي واحد.
2. التخطيط المسبق: عدم الذهاب للتسوق أثناء الصيام الشديد، وكتابة قائمة مشتريات صارمة.
3. تدوير النعمة: الاتفاق مع جمعيات خيرية أو محتاجين لإيصال الفائض من الطعام وهو "نظيف ومرتب" وليس
بقايا ممضوقة.
4. الصيام عن التصوير: احتراماً لقدسية الشهر ومشاعر الفقراء، لنجعل موائدنا مستورة ومنازلنا عامرة بالذكر لا
بالصور.
رمضان ليس شهراً للأكل، بل هو الشهر الوحيد في السنة الذي نُدعى فيه للتوقف عن الأكل؛ لنتذكر أننا بشر نمتلك
أرواحاً تسمو، لا مجرد كائنات تستهلك.
رمضان بين طهارة الجوع ولوثة التخمة: جناية "المجتمع الاستهلاكي" على روحانية الشهر الفضيل
حين يتحول "شهر الزهد" إلى مهرجان للطعام: قراءة سوسيولوجية ودينية في انفصام الشخصية الرمضانية.. ومأساة
حاويات القمامة التي تئن تحت وطأة "فوائض التباهي"
مع إطلالة هلال شهر رمضان المبارك، تتجه أنظار المسلمين صوب السماء ترقباً لرحمة الله، وتتجه قلوبهم نحو المساجد
طمعاً في المغفرة. لكن، وعلى النقيض تماماً، تتجه جيوبهم وسلوكياتهم نحو الأسواق في حالة من "السعار الاستهلاكي"
غير المسبوق. هذه الازدواجية الغريبة تضعنا أمام مفارقة صارخة تستدعي الدراسة والتشريح: كيف تحول الشهر الذي
فُرض لتهذيب الغرائز وتذكر الجوعى، إلى شهر تتضاعف فيه ميزانيات الطعام، وتتكدس فيه النفايات العضوية، وتتحول
فيه الموائد إلى معارض للتباهي الاجتماعي؟
إننا أمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ "التدين الاستعراضي المترف"، حيث تم تفريغ الصيام من مضمونه الفلسفي والروحي،
والإبقاء على طقوسه الشكلية المغلفة بطبقة سميكة من الدهون والسكريات والتبذير.
أولاً: فلسفة الصيام المغدورة.. "لعلكم تتقون" أم "لعلكم تأكلون"؟
بالعودة إلى الأصل الشرعي، نجد أن الآية الكريمة واضحة الدلالة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. لم يقل الله "لعلكم تتفننون في الطهي" أو "لعلكم تخزنون". الحكمة الكبرى من الصيام هي
كسر "إلف العادة"، وتحرير الإنسان من عبودية بطنه، وإشعاره بالضعف البشري ليتواضع. إنه "دورة تدريبية مكثفة"
على التقشف. لكن الواقع يشير إلى خيانة لهذه الفلسفة؛ إذ يتحول نهار الصائم إلى نوم وكسل لتوفير الطاقة، وليله إلى
انتقام شره من ساعات الجوع القليلة.
حجة واقعية: لو كان الهدف هو مجرد تغيير مواعيد الأكل، لما كان للصيام أي أثر روحي. إن ما يحدث اليوم هو عملية
"ترحيل" للسعرات الحرارية من النهار إلى الليل مع زيادتها، مما يُفقد الصيام أثره الصحي (الحمية والتطهير) وأثره
الروحي (الزهد).
ثانياً: هستيريا الأسواق.. اقتصاديات "اللهفة"
تشير التقارير الاقتصادية في أغلب العواصم العربية والإسلامية إلى أن منحنى الاستهلاك الغذائي يقفز في رمضان بنسب
تتراوح بين 50% إلى 150% مقارنة بالأيام العادية. هذا التضخم في الطلب ليس نابعاً من حاجة بيولوجية (فالمعدة
الصائمة تنكمش وتحتاج طعاماً أقل)، بل هو نتاج "عامل نفسي" بحت يُعرف بـ "الخوف من الجوع" أو "شهوة العين".
مثال حي: نرى رب الأسرة يشتري ثلاثة أنواع من العصائر، وأربعة أصناف من المعجنات، وصنفين من
اللحوم لوجبة إفطار واحدة. العقل الباطن هنا يشتري "للتعويض" عن الحرمان النهاري، وليس لسد الجوع
الفعلي، فيتصرف المستهلك وكأنه مقبل على مجاعة، لا على شهر عبادة.
ثالثاً: التباهي الرقمي.. "موائد الإنستغرام" واستفزاز الفقراء
لعل أخطر ما أفرزته العولمة الرقمية في رمضان هو ظاهرة "تسليع الموائد". لم يعد الطعام شأناً حميمياً أسرياً، بل
أصبح مادة للعرض العام عبر منصات التواصل الاجتماعي. تتسابق العائلات، والمؤثرون (Influencers) وحتى
الجمعيات، في نشر صور لموائد تمتد لأمتار، مزينة بما لذ وطاب، في مشهد سريالي يخلط بين العبادة والرياء.
الوجه القبيح للتباهي: في الوقت الذي تعيش فيه أجزاء من جسد الأمة الإسلامية (مثل غزة، السودان، مخيمات
اللاجئين في الشمال السوري) تحت وطأة مجاعة حقيقية وقصف لا يرحم، تخرج علينا صور "الكنافة بالذهب"
و"الخرفان المحشية" عبر الهواتف الذكية.
الحجة الأخلاقية: هذا السلوك يسقط مبدأ "الجسد الواحد" الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى. فبدلاً من "الحمى" تضامناً مع الجياع، نرى "التخمة" تفاخراً أمامهم. هذا ليس مجرد إسراف،
بل هو سقوط أخلاقي وتجرد من الإنسانية.
رابعاً: جريمة الهدر.. أرقام تفزع الضمائر
ما مصير تلك الأطنان التي زُينت بها الموائد؟ الإجابة المؤلمة نجدها في حاويات القمامة بعد صلاة المغرب بساعة واحدة.
تؤكد دراسات بيئية في المنطقة العربية أن نسبة الهدر الغذائي في رمضان ترتفع بشكل جنوني، حيث يُلقى ما يقارب
30% إلى 40% من الطعام المطهو في القمامة.
تحليل اقتصادي وديني: هذا الهدر يمثل استنزافاً للموارد المائية والزراعية والمالية للأمة. والله تعالى يقول
بوضوح: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وكلمة (لا يحب) هنا مخيفة، تعني الطرد من
الرحمة الإلهية بسبب "لقمة" زائدة ألقيت في القمامة بينما يموت آخرون جوعاً.
خامساً: التناقض الصحي والروحي.. صلاة التراويح ببطون متخمة
من المفترض أن يخرج المسلم من رمضان بصحة أفضل (صوموا تصحوا)، لكن المستشفيات وأقسام الطوارئ تشهد
تزايداً في حالات التلبك المعوي، ارتفاع السكر، والذبحات الصدرية في ليالي رمضان. كيف يمكن لجسد أنهكته التخمة،
وامتلأت أوعيته بالدسم، أن يخشع في صلاة التراويح؟ إن الامتلاء المفرط يورث الكسل والقسوة في القلب، ويزيل
"رقة" المناجاة. الصلاة تحتاج إلى خفة، والتخمة تجلب الثقل، وهنا يقع التناقض الأكبر: نصوم لنسمو بالروح، فنفطر
لنقتل الروح بالطعام.
دعوة لـ "ريجيم" أخلاقي واستهلاكي
إن رمضان ليس موسماً لإنعاش تجارة الأغذية، ولا مسابقة في فنون الطهي، ولا منصة لاستعراض الثراء. إنه محطة
سنوية للمراجعة، ولإعادة ضبط إعدادات النفس البشرية على خيار "الزهد".
نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة تصحيحية في استقبال هذا الشهر:
1. الشعور بالمسؤولية: تذكر أن قيمة ما يُهدر في ليلة واحدة من رمضان في بيت ميسور، قد يكفي عائلة لاجئة
لشهر كامل.
2. إخفاء النعمة: عدم جرح مشاعر المحرومين بصور الموائد الباذخة، فـ "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"
واحتراماً لأحزان الأمة.
إن الأمة التي لا تستطيع أن تضبط شهوة بطنها لمدة ثلاثين يوماً، هي أمة أعجز من أن تضبط مشاريع نهضتها الكبرى.
لنجعل من رمضان هذا العام شهر "صيام" حقيقي، لا شهر "طعام".
ثقبٌ في جيب الأمة وجرحٌ في روحانيتها: "طوفان الطعام" يغرق سفينة الصيام
أرقام صادمة: 60 مليار دولار تكلفة الهدر الغذائي سنوياً في المنطقة.. و50% من طعام موائدنا ينتهي في القمامة
بين "تخمة" المترفين و"أنات" الجياع: هل تحول شهر "التقشف" إلى أكبر موسم استهلاكي في تاريخ الإسلام؟
أولاً: النزيف الاقتصادي.. أرقام لا تكذب
لغة الأرقام هي الأصدق في وصف الكارثة. لم يعد الإسراف في رمضان مجرد "سلوك فردي طائش"، بل تحول إلى
ظاهرة اقتصادية مدمرة تستنزف مقدرات الأمة.
1. فاتورة الهدر المروعة
تشير أحدث التقارير الاقتصادية (2024-2025) الصادرة عن منظمات دولية ومحلية إلى حقائق مفزعة:
60 مليار دولار: هي التكلفة التقديرية للهدر الغذائي السنوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجزء
كبير من هذا الرقم يتراكم خلال شهر رمضان وحده.
مقبرة الطعام: في دول الخليج وبعض دول المغرب العربي، تشير الإحصاءات إلى أن نسبة النفايات العضوية
(بقايا الطعام) ترتفع في رمضان من 30% إلى ما يقارب 55% - 60%. هذا يعني حرفياً أننا نطبخ وجبتين؛
نأكل واحدة، ونرمي الثانية في القمامة.
التضخم الرمضاني: يرتفع الإنفاق الأسري على الغذاء في الدول العربية خلال رمضان بنسبة تتراوح بين
50% إلى 100% مقارنة بباقي الشهور. في مصر والمغرب والأردن، تلتهم مائدة الإفطار ميزانية شهرين في
شهر واحد، مما يضطر الأسر للاستدانة أو الدخول في ضوائق مالية، لا لشيء إلا لمجاراة "العرف الاجتماعي"
في تنوع الأطباق.
2. استنزاف العملة الصعبة
معظم الدول الإسلامية هي دول مستوردة للغذاء (القمح، الزيوت، اللحوم). عندما نرفع استهلاكنا في رمضان، فإننا
نضغط على ميزان المدفوعات ونستنزف العملة الصعبة لاستيراد سلع مصيرها حاويات النفايات. إنه انتحار اقتصادي
بطيء، حيث نحول الموارد الثمينة إلى نفايات ضارة بالبيئة.
ثانياً: المحاكمة الشرعية.. جناية "التخمة" على الروح
إذا كان الجانب الاقتصادي مؤلماً، فإن الجانب الديني أشد مرارة، لأننا نمارس هذا الإسراف تحت مظلة شهر "العبادة".
1. الفرق الدقيق بين "الإسراف" و"التبذير"
يخلط الكثيرون بينهما، لكن الشريعة تفرق بدقة:
الإسراف: هو تجاوز الحد في الحلال (أن تأكل فوق شبعك، أو تطبخ أصنافاً كثيرة تؤكل كلها). الله تعالى يقول:
﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. الحكم هنا هو "كراهة الله" لهذا الفعل.
التبذير: هو إنفاق المال في غير حقه أو إتلاف النعمة (رمي الطعام في القمامة). وهنا الحكم أقسى وأشد، إذ
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾. وصف "أخوة الشيطان" مرعب، ويعني أن من يلقي الطعام
في القمامة يتساوى في الوصف مع الشيطان في كفر النعمة.
2. "البطن".. سجن الروح
من منظور التزكية، الشبع المفرط هو العدو الأول للخشوع.
قاعدة الثلث: الحديث النبوي الشهير: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن... فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث
لشرابه وثلث لنفسه". وصف النبي ﷺ المعدة بـ"الوعاء الشر" عند امتلائها، لأنها منبع الشهوات والأمراض.
أثر التخمة على التراويح: كيف لجسد يضخ لترات من الدم إلى المعدة لهضم الدسم أن ينتصب بين يدي الله
خاشعاً؟ التخمة تورث "الكسل"، والكسل يورث "القسوة"، فتتحول الصلاة إلى حركات ميكانيكية ثقيلة، ويفقد
الصيام جوهره (وهو تصفية الروح).
يقول الإمام الغزالي: "من أراد صفاء قلبه، فليؤثر الجوع". ونحن في رمضان نؤثر التخمة، ثم نتساءل: لماذا لا
نجد حلاوة الإيمان؟
ثالثاً: علم النفس الاجتماعي.. لماذا نأكل بهستيريا؟
لماذا يتحول الإنسان العاقل في رمضان إلى كائن استهلاكي شره؟ علماء الاجتماع والنفس يرجعون ذلك إلى عدة عوامل:
1. "فوبيا" الجوع (The Fear of Hunger): الصيام يولد لدى الإنسان شعوراً كاذباً بالخطر من نفاد الطعام،
فيدفعه العقل الباطن للشراء بكميات تفوق حاجته كآلية دفاعية (Survival Instinct) بدائية، رغم أن الطعام
متوفر.
2. التسليع الاجتماعي (Commodifiction of Rituals): حولت الرأسمالية وشركات الإعلانات رمضان
من "طقس ديني" إلى "موسم تجاري". الإعلانات تربط السعادة بلمة العائلة حول مائدة مكدسة بمنتجات معينة،
مما رسخ فكرة أن "المائدة الناقصة = حب ناقص".
3. الرياء الإلكتروني: في عصر الإنستغرام، أصبحت قيمة المائدة ليست في طعمها، بل في "شكلها". هذا الضغط
الاجتماعي يدفع الأسر -حتى محدودة الدخل- للتكلف وصناعة ولائم تفوق قدرتها المادية والجسدية، فقط لالتقاط
صورة تقول للآخرين: "نحن هنا، ونحن سعداء وميسورون".
رابعاً: مقارنة مؤلمة.. رمضان السلف ورمضان الخلف
عند السلف: كان الإفطار بضع تمرات وماء، لكسر الصيام قبل الصلاة، ثم وجبة خفيفة تكفي لإقامة الصلب.
كان شعارهم "تخففوا تلحقوا" (أي تلحقوا بركب الصالحين).
عندنا اليوم: نبدأ بـ "مقبلات" تفوق وجبة السلف كاملة، ثم الطبق الرئيسي، ثم الحلويات، ثم "الغبقة" أو العشاء
المتأخر. تحول الليل إلى نهار للأكل، والنهار إلى ليل للنوم.
وصفة علاجية قبل فوات الأوان
إن استمرار هذا النمط الاستهلاكي ينذر بعواقب وخيمة، دينياً ودنيوياً. الحل يكمن في "ثورة وعي" تبدأ من البيت:
1. تفعيل "فقه الأولويات": قيمة إفطار صائم محتاج أعظم عند الله ألف مرة من مائدة مكدسة تُرمى بقاياها.
2. التسوق بوعي: لا تذهب للسوق وأنت جائع. اكتب قائمة والتزم بها بصرامة.
3. إحياء سنة "المشاركة": بدلاً من رمي الفائض، يجب تعليبه بشكل لائق وتوزيعه فوراً (وهو طازج) على
المحتاجين، أو التنسيق مع "بنوك الطعام" التي تنشط في بعض الدول.
4. الامتناع عن "تصوير النعم": احتراماً لمشاعر الفقراء، وصيانة للنفس من العجب والرياء.
إن رمضان فرصة سنوية لإعادة ضبط المصنع البشري.. فلا نحوله إلى شهر لتدمير الصحة، وإهدار المال، وقتل
الروحانية على مذبح البطون.