الوضع الليلي
Image
  • 09/06/2026
قناصو الحوادث ومحتكرو الشوارع يغرقون فاس في فوضى النقل

قناصو الحوادث ومحتكرو الشوارع يغرقون فاس في فوضى النقل

فاس: تحقيق استقصائي يزيح الستار عن "تغول" بعض سائقي الطاكسيات الصغيرة وتحولهم من خدمة عمومية إلى "كابوس يومي" للمواطنين

فاس، يونيو 2026 — لم يعد تنقل المواطن الفاسي عبر سيارات الأجرة الصغيرة (الطاكسي الصغير) مجرد رحلة عادية لقضاء مأرب يومي، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى "مغامرة" غير مأمونة العواقب، محفوفة بالابتزاز، والمشادات الكلامية، بل وتحت رحمة "قناصي الفرص" الذين يتربصون بمستعملي الطريق.

في هذا التحقيق، ننزل إلى شوارع العاصمة العلمية لنرصد بالوقائع تفاصيل "تغول" فئة من السائقين الذين عاثوا في قطاع النقل فوضى، وتجاوزوا كل القوانين و الأعراف، وسط تساؤلات حارقة من الساكنة: إلى متى يستمر هذا التسيب تحت أنظار الجهات الوصية؟

حادثة "مدرسة المهندسين": عندما يضيع مستقبل طالب لأجل "إجازة مؤدى عنها"

لم تكن صبيحة يوم الإثنين 8 يونيو 2026 عادية بالنسبة لأحد طلبة "المدرسة المغربية لعلوم الهندسة" بفاس. ففي الوقت الذي كان فيه يصارع القلق للالتحاق بامتحانه المصيري، وجد نفسه ضحية "فخ محكم" نصب له أمام المؤسسة، وعلى بعد خطوات قليلة من ولاية أمن فاس.

وتعود تفاصيل الواقعة، التي سجلتها كاميرات المدرسة المذكورة، إلى محاولة الطالب ركن سيارته والعودة بها إلى الخلف. وفي غضون ثوانٍ معدودة، تعمد سائق سيارة أجرة صغيرة "الاندفاع" بسرعة فائقة خلف سيارة الطالب لقطع الطريق عليه، مسبباً حادثة سير "مفتعلة" ومؤكدة.

الهدف لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل انطلق السائق فوراً في مسلسل ابتزاز الطالب، مستغلاً توتره وضيق وقته. النتيجة؟ تأخر الطالب عن امتحانه بـ 10 دقائق كاملة؛ عشر دقائق قد تبدو بسيطة في لغة الوقت، لكنها في عرف المعاهد العليا قد تكلف الطالب إعادة سنة دراسية بأكملها تكلّف الدولة والأسرة ملايين السنتيمات، كل ذلك بسبب جشع سائق اختار "اصطياد الأبرياء" للحصول على تعويضات مادية وإجازة غير مستحقة مؤدى عنها من شركات التأمين.

خرق القانون عياناً جهاراً: خطة "الزبون المنفرد" لمضاعفة الأرباح

تتعدد مظاهر التغول وتتخذ أشكالاً يومية يعاني منها كل بيت فاسي، ولعل أبرزها الخرق السافر للقانون المنظم للمقاعد:

رفض الثلاثة ركاب: يرفض العديد من السائقين حمل ثلاثة أشخاص معاً، حتى وإن كانوا أصدقاء أو من عائلة واحدة .

إستراتيجية "الجمع العشوائي": يفضل السائقون انتقاء زبائن فرادى من وجهات مختلفة ومتباعدة، ليقوموا بتحصيل "ثمن الرحلة كاملاً" من كل زبون على حدة. وبذلك، تتحول سيارة الأجرة الصغيرة من رحلة خاصة  إلى "حافلة صغيرة" غير قانونية تجني أرباحاً مضاعفة على حساب راحة وكرامة المواطن.

احتكار الوجهات والتكتل: يشهد سكان فاس تجمع الطاكسيات في نقط معينة (قرب المحطات، المجمعات التجارية، أو الساحات الكبرى)، حيث يرفض السائقون التوجه إلى أحياء بعينها، ويفرضون وجهات محددة تناسب هواهم ومصالحهم الشخصية، في ضرب صارخ لمنطق الخدمة العمومية.

سلوكيات "بلطجية": الشتم، والمشاجرات، وغياب المهنية

إلى جانب الجشع المادي، تشهد شوارع فاس تدهوراً خطيراً في سلوكيات بعض السائقين. ولم تعد الآداب المهنية قائمة لدى فئة واسعة منهم، حيث أصبح هؤلاء على أهبة الاستعداد للدخول في مشاجرات عنيفة لأتفه الأسباب.

"لم نعد نأمن على أنفسنا أو عائلاتنا. بمجرد أن تطالب بحقك في تشغيل العداد أو تغيير الوجهة، تواجه بوابل من السب والشتم والكلام النابي"، يقول أحد المواطنين المتضررين للجريدة.

هذا المناخ المشحون يحول الشوارع إلى ساحات حرب كلامية، ويهدد السلم الاجتماعي بمدينة تعتبر قطباً سياحياً وثقافياً للمملكة.

مخالفات متتالية تحت المجهر

ولا تقف التجاوزات عند هذا الحد، بل تتعداها إلى قائمة طويلة من المخالفات التي يرصدها المواطنون يومياً

الامتناع عن تشغيل العداد في الفترات الليلية أو فرض تسعيرات خيالية جزافية.

القيادة الاستعراضية والخطيرة، والتوقف المفاجئ وسط الطريق دون احترام لعلامات المرور، مما يتسبب في عرقلة السير وحوادث سير متكررة.

الحالة الميكانيكية المتهالكة لبعض المركبات، ونقص النظافة، مما لا يليق بمدينة كفاس.

إلى متى يظل الوضع على حاله؟

إن ما حدث أمام المدرسة المغربية لعلوم الهندسة هو صيحة فزع تدق ناقوس الخطر. إن تحول بعض سائقي سيارات الأجرة إلى "مبتزين" يتصيدون أخطاء السائقين الآخرين لإيقاعهم في شرك الحوادث المفتعلة، هو سلوك إجرامي مكتمل الأركان يدمر مصائر ومستقبل الشباب والطلبة.

ساكنة فاس اليوم تضع هذه الحقائق أمام والي جهة فاس-مكناس، وأمام مصالح ولاية الأمن، والجهات النقابية والجمعوية المسؤولة عن القطاع، للمطالبة بـ:

تفعيل صارم للمراقبة والأمن في محيط المؤسسات الجامعية والمعاهد.

سحب رخص الثقة فوراً من السائقين الذين يثبت تورطهم في حالات الابتزاز، أو افتعال الحوادث، أو السب والشتم.

خط ساخن أو منصة رقمية لتبليغ المواطنين عن المخالفات (الامتناع عن نقل الركاب، فرض وجهات معينة) لإنهاء حالة "السيبة" التي تشهدها شوارع المدينة.

فإلى متى سيظل المواطن الفاسي رهينة لـ"تغول" قطاع يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى غربلة شاملة تعيد له هيبته وللمواطن كرامته؟