مكناس .. جدل حول الموازنة بين التسويق الرقمي للجماعة وواقع التنمية المحلية
تشهد جماعة مكناس نقاشاً محلياً واسعاً بين الفاعلين السياسيين والمدنيين حول طبيعة الاستراتيجية التواصلية والتدبيرية المعتمدة من طرف المجلس الجماعي الحالي. فبينما يرى البعض في الطفرة التواصلية الرقمية للمجلس آلية حديثة لتكريس الحق في الوصول إلى المعلومة وتوثيق الأنشطة اليومية، يعتبرها منتقدون تركيزاً مكثفاً على البعد البصري الفردي على حساب العمق المؤسساتي والعمل الميداني المشترك.
من الناحية التواصلية، تتميز المنصات الرسمية للجماعة بتدفق مستمر للمنشورات والإعلانات الرقمية التي تواكب تحركات رئيس المجلس البلدي. ويرى المؤيدون لهذا النهج أن هذا الحضور يترجم رغبة الرئاسة في إرساء تواصل مباشر وشفاف مع الساكنة لإطلاعها على التحركات والاتفاقيات أولاً بأول. في المقابل، تثير قوى المعارضة وبعض الفعاليات المدنية تحفظات بشأن ما تسميه "شخصنة التواصل المؤسساتي"، معتبرة أن المادة الإعلامية تبرز مؤسسة الرئيس بشكل رئيسي، في وقت ينبغي فيه عكس جهود جميع مكونات المجلس من نواب ورؤساء لجان دائمين.
هذا الجدل التواصلي يتزامن مع تحولات مالية هامة؛ حيث تشير التقارير المتعلقة ببيان تنفيذ ميزانية جماعة مكناس إلى تسجيل انتعاشة مالية وفائض مالي ناهز 93 مليون درهم. ويفتح هذا المعطى الرقمي باب القراءات المتعددة؛ ففي الوقت الذي يرى فيه الفريق المسير أن هذا الفائض يشكل قاعدة مالية صلبة لإطلاق وتجهيز مشاريع بنيوية وتنموية مبرمجة، يطالب فاعلون محليون بضرورة تسريع وتيرة الأشغال الميدانية لتنعكس هذه الوفرة المالية سريعاً على المشاكل اليومية للمدينة، خاصة ما يتعلق بتأهيل الطرق، الأرصفة، وصيانة المساحات الخضراء.
وفي سياق متصل، شكل ملف "النقل الحضري" نقطة محورية في تقييم الأداء المؤسساتي بالمدينة. فبينما يتم تقديم مخرجات هذا الملف من طرف الأغلبية كإنجاز يعكس التنسيق الإداري الناجح والمتابعة المستمرة للمجلس، تشير قراءات تتبع الشأن المحلي إلى أن الانفراجة الفعلية ما كانت لتتحقق لولا التدخل المباشر والحاسم لسلطات المراقبة الإدارية، ممثلة في عمالة الإقليم ومصالح وزارة الداخلية، وهو ما يطرح تساؤلات تواصلية حول مدى إبراز أدوار جميع الشركاء المؤسساتيين في صياغة الحلول وتنزيلها.
على مستوى الحكامة الداخلية والتدبير التشاركي، لا يخلو المشهد من تباين في الرؤى؛ إذ سجلت بعض دورات المجلس نقاشات حادة واعترافات من بعض مكونات الأغلبية نفسها حول ضعف التنسيق الداخلي أو غياب الاستشارة القبلية في بعض الملفات الاستراتيجية قبل عرضها للتصويت. وفي مقابل هذا النقد الذي يرى فيه أصحابه غياباً للمقاربة التشاركية، تؤكد مصادر مقربة من التسيير أن تدبير مدينة بحجم مكناس (التي يتجاوز تعداد ساكنتها 550 ألف نسمة) يتطلب اتخاذ قرارات حاسمة لضمان السير العادي للمرفق العام، وأن أبواب النقاش تظل مفتوحة ومؤسستة طبقاً للقوانين التنظيمية داخل اللجان والدورات.
بين القراءة التي ترى في النموذج الحالي جهداً تواصلياً يسعى لعصرنة تدبير المدينة وتسويق مؤهلاتها، والقراءة التي تطالب بملائمة الطموح الرقمي مع الواقع الميداني وتوسيع قاعدة القرار التشاركي؛ يظل المواطن المكناسي في نهاية المطاف هو الحكم الحقيقي، حيث يتطلع إلى أن تترجم الميزانيات والاستراتيجيات إلى أثر إيجابي ملموس يمس جودة الحياة اليومية بالعاصمة الإسماعيلية.