الوضع الليلي
Image
  • 11/02/2026
هل تصلح الرياضة ما أفسدته السياسة؟ - وهل يمكن اعتبار كرة القدم كمرآة للتحول الاجتماعي والصراع الرمزي؟ كأس افريقيا 2025 نموذجا.  "كرة القدم مجرد لعبة، وليست من بنود التطور أو مؤشرات التنم

هل تصلح الرياضة ما أفسدته السياسة؟ - وهل يمكن اعتبار كرة القدم كمرآة للتحول الاجتماعي والصراع الرمزي؟ كأس افريقيا 2025 نموذجا. "كرة القدم مجرد لعبة، وليست من بنود التطور أو مؤشرات التنم

المهدي المنجرة

تعتبر الرياضة حق من حقوق الإنسان، وهي مجموعة من الحركات المتناغمة التي يشكل مجموعها نشاطا جسمانيا
مقننا ومفيدا بالنسبة للفرد، وعندما يتوسع الأمر أكثر تصبح الرياضة نشاطا اجتماعيا لعله من أكبر وأهم ما أوجدته
البشرية، من انفعالات ونشاطات وأكثرها جذبا للاهتمام، وهي تقوم على مبادئ مثالية. أما السياسة فهي فن الممكن،
وكذلك العمليات التي ينطوي عليها السلوك الإنساني، والتي يتم عن طريقها إنهاء حالة الصراع بين الخير العام
ومصالح الجماعات. وهي لا تقوم على المشاعر أو الأخلاق العامة. بل كثيرا ما تتجاهلهما تطبيقا لمبدأ "الغاية تبرر
الوسيلة".

ا
وهناك أنواع كثيرة من الرياضات، لكن ما يهمني هنا هو كرة القدم. إذن ماهي طبيعة العلاقة بين الرياضة(كرة القدم)
والسياسة؟ وهل تصلح الرياضة ما أفسدته السياسة ؟ أم هل تفسد الرياضة ما أصلحته السياسة؟
للإجابة على هذه التساؤلات لابد من العودة إلى البدايات الأولى لتنظيم البطولات الرياضية على الصعيد العالمي.

فالدورات الأولمبية الأولى التي أقيمت كانت في حاجة لقرارات الأباطرة كي تستمر وتأخذ المكانة التي وصلت إليها،
وفي القرن العشرين كان التداخل بين الجانبين واضح، فقد تعطلت بطولة كأس العالم ودورة الألعاب الأولمبية لسنوات
بسبب الحربين العالميتين، واستغل(موسوليني) استضافة كأس العالم 1934 في إيطاليا للدعاية لنظامه الفاشي، وكذلك
فعل (هيتلر) مع اولمبياد برلين عام 1938، وعوقبت المانيا المنهزمة في الحرب بتغييبها عن البطولات العالمية التي
تلتها، وفي السبعينات عادت السياسة لتطل برأسها على الرياضة عبر الهجوم الفدائي الفلسطيني على البعثة
الإسرائيلية في أولمبياد ميونيخ ، وكذلك حرب كرة القدم بين( السالفادور و الهاندوراس) على الرغم من أن أساس
الحرب كان له علاقة بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، لكن ساهم فيه بشكل كبير تأجيج التوتر المثار من قبل
المتظاهرين خلال جولة تصفيات اميركا الشمالية الثانية لبطولة كأس العالم 1970، والتي كانت بمثابة النقطة التي
أفاضت الكأس ووقع مالم يكن متوقعا، ثم هناك المقاطعة الافريقية لدورة موريال عام 1976 بسبب التعامل مع جنوب
افريقيا العنصرية آنذاك، وتصاعد الأمر إلى ذروته بالمقاطعة الأميركية والغربية لأولمبياد موسكو في سنة 1980، ورد
الروس وحلفاؤهم بمقاطعة اولمبياد( لوس أنجلز) بعد أربع سنوات. كذلك كأس الاتحاد الأسيوي في الصين واليابان
بسبب العلاقات التاريخية بينهما والتي تعود الى الحرب العالمية الثانية خصوصا بعد انتصار اليابان على الصين في
المقابلة. أما على الصعيد العربي فحدث ولا حرج، حيث أصبحت هناك تكتلات واتحادات عربية، وأصبحت تنظم دورات

ا
اسلامية ودورات عربية، فلطالما تأجلت دورات عربية بسبب المعاناة من الخلافات السياسية البينية ولطالما تحولت
ملاعب الرياضة وقاعاتها الى فضاءات لتفريغ الاحتقان السياسي العربي، ولطالما تدخلت القرارات والرغبات
السياسية في العمل الرياضي، فتدفع بذلك الرياضة فاتورة السياسة.

يتضح مما سبق، أن السياسة تدخلت في شؤون الرياضة منذ القدم. وأن الواقع السياسي لابد أن يعكس ظلاله على
الواقع الرياضي سواء سلبا أو إيجابا، وأن الرياضة لم تعد مقتصرة على الأهداف النبيلة التي انشئت من أجلها ، بل
أصبحت الرياضة سياسية، وقد قيل "السياسة تفسد والرياضة تصلح" على أساس أن السياسة هي تدبير المصالح
وترشيد تنازعها في حين الرياضة تعمل على تهذيب النفوس وتهدئة الأعصاب وتقريب الشعوب ونسج علاقات
وتجاوز الخلافات، ذاك أن منطق الرياضة مبني على التجميع والتوحيد، في حين يميل منطق السياسة بطبيعته الى
التنازع والتفرقة والصراع. ومع ذلك ليست الرياضة دائما طريقا لتهذيب النفوس وإصلاح السلوك بل يمكن أن تشكل
هي الأخرى مصدرا للتنازع والتوتر، بمعنى أنه من الصعب الفصل بين الرياضة والسياسة. وهذا ما سيدفعنا إلى طرح
التساؤل التالي: هل يمكن اعتبار كرة القدم بمثابة مرآة حقيقية للتحول الاجتماعي والعنف الرمزي؟ سأجيب انطلاقا من
كتاب الباحث المغربي "يوسف عدي" (الرياضة والسياسة في المغرب) يقول فيه ما معناه، أن كرة القدم تحولت إلى أداة
سياسية وثقافية بامتياز، تستغلها الأنظمة والدول لأغراض تتعدى الترفيه والرياضة الى بناء الهوية وتوجيه الرأي
العام وتلميع صورة النظام. ففي السياق المغربي استخدمت الدولة كرة القدم في السابق وسيلة لإنتاج الإجماع الوطني
وتنفيس التوترات، إلا أن تحولات ما بعد عام 2011 خصوصا مع تصاعد الحركات الاحتجاجية، والتي قلبت المعادلة،

ا
وجعلت الملاعب فضاءات للاعتراض والرفض. الشيء الذي أدى الى تحول مجموعات "الالتراس" الشبابية- ذات
الطابع التشجيعي- من كيانات رياضية الى حركات تعبر عن غضب اجتماعي وسياسي على مقاربتين رئيسيتين لفهم
العلاقة بين السياسة والرياضة.

أولاهما: المقاربة الوظيفية، التي ترى في الرياضة وسيلة لتحقيق الانسجام الاجتماعي وأداة للضبط الرمزي ضمن ما
يسمى (الدين المدني).
وثانيهما: المقاربة النقدية ذات الجدر الماركسي التي ترى أن الرياضة ليست سوى جهاز ايديولوجي يستخدم لتخدير
الجماهير وترسيخ الهيمنة السلطوية، ويستخدم أيضا في تلميع صورة الأنظمة وامتصاص التوتر الشعبي. كما أن
الرياضة ليست مجالا محايدا. بل هي ميدان للصراع الرمزي حيث تتواجه الهيمنة الرسمية بثقافات فرعية.
يتضح مما سبق ذكره وبما لا يدع مجالا للشك خصوصا بربطه بكأس افريقيا 2025المنظم مؤخرا بالمغرب أن كرة
القدم لم تعد مجالا للتسلية والترفيه والمنافسة الشريفة محليا ووطنيا ودوليا، وإنما هي لعبة برهانات دبلوماسية
واقتصادية وسياسية وتجارية وإعلامية، رهانات نبتت على ضفاف الملاعب، وصارت تحكمها هذه اللعبة أكثر مما
يحكمها حكم وقانون فيفا. فمنذ بداية الكان بدأ التشويش على صورة المغرب، وبدا ترويج بعض المغالطات بدون حجة
ولا دليل، ومما زاد من عدوانية الحرب النفسية للأعداء، أن التنظيم كان مبهرا، والملاعب كانت في مستوى رائع،
وبجودة عالية، باعتراف دولي، وهناك من قال إن المغرب قد نقل كأس افريقيا من المجهول إلى العالمية. مما غدى
الدعايات المسمومة وأججها فتداخل ما هو سياسي بما هو رياضي، ولم نعد أمام لعبة لها قوانينها وجماليتها، وإنما

ا
وسط حرب في محيط مضطرب غارق في الأزمات والمشاكل والتوترات الداخلية والإقليمية، كما هو الشأن عند جيران
السوء وفي افريقيا كلها. ومن هنا برزت فكرة إعادة النظر في موقع كرة القدم ضمن العلوم الاجتماعية والسياسية
وتناولها بالدراسة كما ذهب إلى ذلك مجموعة من السوسيولوجيين أمثال السوسيولوجي التونسي "محمد جويلي"
مختص في (علم اجتماع كرة القدم ) والذي هنأ المغرب على اللوحة الرائعة التي قدمها واعتبرها استثنائية في افريقيا
رغم التشويش والمناوشات والاحداث الدرامية، ونادى ب ( ديكولونيالية كرة القدم) أي ديبلوماسية كرة القدم الافريقية
دراستها وترسيخها في محيطها الإفريقي، في أفق تنقيتها من مجموعة من الأفكار الاستعمارية السلبية.

وما يجب الإشارة إليه كخلاصة لما سبق هو أن ما وقع خلال كأس افريقيا 2025 هو أمر عادي كان منتظرا
ويجب تقبله، بل كان على المسؤولين أخذه بعين الاعتبار واتخاذ الاحتياطات اللازمة له، لماذا؟ لأن تنظيم كأس افريقيا
2025 كان فريدا من نوعه بل سابقة لم يشهدها الاتحاد الإفريقي من قبل، فكل التنظيمات السابقة كانت عادية وفي
ظروف عادية وأماكن وملاعب عادية قد لا تتعدى ملعبين على الأكثر، مما يجعل الكثير لا يتتبعها إن لم أقل لا يعرفها.
وكما يقال: العين التي تتعود على رؤية المناظر البشعة تعتادها. فهؤلاء تعودوا على التنظيمات العادية والبسيطة، مما
جعلهم ينبهرون بهذا المستوي العالي من التنظيم وجودة الملاعب، ووسائل النقل المتطورة والمتوفرة، وأماكن الإقامة
الفاخرة، والغير متوفرة عند بلدان أغلبهم ، الشيء الذي جعل بعض الفرق إن لم أقل بعض الدول لم تستصغ النموذج
المتقدم الذي قدمه المغرب في مجال الرياضة كبلد مستقر وصاعد. فشعروا بالنقص، والشعور بالنقص يولد الحقد
والانتقام، خصوصا بالنسبة للذين في قلوبهم غيظ ويحملون العداء للمغرب. وقد اتضح ذلك جليا حين أصدرت جارة
السوء تصريحات من صناع القرار تدعو فيه الى تغذية مناخ التوتر والتشجيع عليه ووجهت اتهامات عدة للمغرب بدون

ا
وسائل إثبات. بل لقد تم تجييش قطاع واسع من المجتمع الجزائري وخرجوا الى الشارع للتعبير عن فرحهم بخسارة
المغرب امام السينغال، تعبيرا عن حقدهم وكرههم للمغرب من جهة ، وربما تقربا للسينغال والتشويش على علاقتها مع
المغرب من جهة ثانية . قال تعالى" لا يفلح الساحر حيث أتى" لقد انقلب السحر على الساحر وانكشفت المؤامرة التي
كانت تحاك ضد المغرب، واعتذرت السينيغال للمغرب وبقيت العلاقة جيدة معها، وبقي الأعداء كعادتهم يجرون وراءهم
الخيبة والمذلة.. والحقيقة أنه ليس في مصلحة الجزائر الاستمرار في هذه الممارسات والتي تؤدي الى نتائج سلبية
وغير مقبولة، ذلك ان ثقافة محاربة النجاح وبث الضغائن والبحث عن الدسائس لا تفيد أحدا ومع مرور الوقت قد تنقلب
بالضرورة على صاحبها ثم ان من مصلحة الاجيال المقبلة ان تعيش في مناخ سليم ومتعاف. بل من واجب النخب
الراهنة ان تعمل على تجاوز هذه الخلافات لكي لا تمس حقوق القادمين من أبنائها في أن يعيشوا في مناخ سليم وطاهر
وغير مشبع بمثبطات الأحقاد والضغائن.

 

ذ : محمد ابركي