الوضع الليلي
Image
  • 10/02/2026
عين الشقف .. صراع

عين الشقف .. صراع "الشفافية" و"الزبونية" في دهاليز ملفات البناء.

تغرق جماعة عين الشقف بإقليم مولاي يعقوب في دوامة معقدة من الجمود العمراني الذي تجاوز كونه مجرد تعثر إداري ليتحول إلى أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة تلقي بظلالها على آلاف الأسر، حيث يجد المواطن نفسه اليوم عالقاً في "منطقة رمادية" لا هو قادر على انتزاع رخصة بناء قانونية، ولا هو قادر على المجازفة بالبناء العشوائي الذي بات يواجه بجرافات الهدم الصارمة. إن المتأمل في المشهد العمراني بالمنطقة يدرك أن أصل الحكاية يبدأ من التأخر المزمن في الإفراج عن تصاميم التهيئة النهائية، وهو ما جعل الإدارة تتبنى سياسة "الفرملة" كحل احترازي لتفادي الفوضى، لكن هذا الحل تحول مع مرور الوقت إلى "بلوكاج" قاتل للمشاريع الصغرى والمتوسطة.

وما زاد من قتامة المشهد هو الزلزال الذي أحدثته التحقيقات القضائية الأخيرة بخصوص شبكات تزوير رخص الربط بشبكات الماء والكهرباء، حيث كشفت هذه الملفات عن وجود اختلالات عميقة في التدبير الجماعي، مما دفع سلطات الوصاية إلى تشديد الخناق وفرض رقابة مجهرية على كل ملف تقني يوضع فوق المكاتب. هذا التشدد، وإن كان مبرراً لحماية القانون ومنع انتشار البناء غير المهيكل، إلا أنه تسبب في "عقاب جماعي" طال حتى أصحاب الحقوق الذين تتوفر فيهم الشروط التقنية، مما خلق حالة من الاحتقان الصامت داخل الدواوير والمجمعات السكنية التي ترى في عين الشقف المتنفس الطبيعي لمدينة فاس المكتظة.

على الجانب الميداني، تعيش المنطقة تحت وطأة استنفار دائم للسلطات المحلية، التي باشرت في الآونة الأخيرة حملات هدم واسعة طالت بنايات في طور التشييد، خاصة في دوار الخرابشة والمناطق المتاخمة لمركز الجماعة، وهي رسالة سياسية واضحة مفادها أن زمن "التساهل الانتخابي" مع البناء العشوائي قد ولى بلا رجعة. ومع ذلك، يطرح المراقبون تساؤلات جوهرية حول البدائل؛ ففي ظل غياب تراخيص رسمية وتوقف المنصات الرقمية مثل بوابة رخص Rokhas.ma عن معالجة بعض طلبات المنطقة، يجد المواطن نفسه مدفوعاً نحو الزوايا الضيقة، مما يفتح الباب مجدداً أمام سماسرة "النوار" والوسطاء الذين يقتاتون على هذه الأزمات الإدارية.

الأمل الوحيد المتبقي حالياً يلوح في أفق المسطرة الحالية المتعلقة بفتح باب الملاحظات حول تصميم التهيئة الجديد لمركز الجماعة ورأس الماء، وهو الإجراء الذي تنتظره الساكنة كطوق نجاة، إذ من المفترض أن يحدد هذا التصميم المسارات القانونية الواضحة بعيداً عن ضبابية القرارات المزاجية. لكن يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن جماعة عين الشقف من استعادة ثقة المرتفقين وسد الثغرات القانونية التي استغلها المزورون، أم أن مسلسل "توقيف الرخص" سيستمر ليحول المنطقة من قطب عمراني واعد إلى مجرد "غيتو" يغلي تحت وطأة الإقصاء الإداري؟ إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط التوازن العمراني، بل يضرب في العمق مبدأ "الحق في السكن" ويحول الاستثمار العقاري بالمنطقة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر القانونية والمالية.