الوضع الليلي
Image
  • 07/09/2026
أحزاب تتسابق نحو الانتخابات… والمغاربة يسألون: أين المشروع؟

أحزاب تتسابق نحو الانتخابات… والمغاربة يسألون: أين المشروع؟

بدأت حرارة الانتخابات ترتفع قبل أن تبدأ الحملة، وتحركت الأحزاب، واشتدت التصريحات، وبدأ البحث عن المواقع والمرشحين والتحالفات، وكأن البلاد دخلت سباقاً سياسياً قبل أن يعرف المواطن، في كثير من الأحيان، ما الذي يتسابق عليه المتسابقون غير المقاعد؟

نتابع المشهد، فنسمع كثيراً عمن أخفق، ومن يتحمل المسؤولية، ومن خان وعوده، ومن كان بالأمس يقول شيئاً وأصبح اليوم يقول نقيضه.

لكن وسط كل هذا الضجيج، يكاد يضيع السؤال الذي يهم المواطن أكثر:

ماذا تقترحون أنتم؟

ماذا ستفعلون بالتعليم؟

ماذا ستفعلون بالصحة؟

كيف ستواجهون البطالة؟

ماذا لديكم للشباب؟

كيف ستحمون القدرة الشرائية؟

ما تصوركم للماء والفلاحة والعالم القروي؟

وأي اقتصاد تريدون للمغرب في زمن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والمنافسة الدولية؟

إننا لا نحتاج إلى انتخابات يكون فيها البرنامج الحقيقي لكل حزب هو إثبات فشل الحزب الآخر.

المغرب يحتاج إلى ما هو أكبر من ذلك بكثير.

الجميع يعرف أخطاء الجميع… لكن من يملك الحل؟

ليس من الصعب أن تنتقد.

يكفي أن تجمع أخطاء خصمك، وتختار أكثر الأرقام إحراجاً له، وتعيد تصريحات قديمة، ثم تصعد إلى المنصة لتعلن أن الطرف الآخر فشل.

لكن السياسة ليست مسابقة في اكتشاف الأخطاء.

السياسة هي القدرة على تقديم البديل.

إذا قلت إن الحكومة أخفقت في التشغيل، فأخبرنا كيف ستخلق أنت فرص العمل.

وإذا قلت إن إصلاح التعليم لم يحقق المطلوب، فقدم لنا المدرسة التي تريد بناءها.

وإذا انتقدت تدبير الماء، فاشرح للمغاربة من أين ستأتي بالمياه وكيف ستمول المشاريع وكيف ستوازن بين حاجيات المدن والفلاحة والصناعة.

وإذا قلت إن القدرة الشرائية تراجعت، فلا تكتف بالتعاطف مع المواطن؛ قل له بالأرقام ماذا ستغير، وكم سيكلف ذلك، ومن أين ستأتي بالتمويل.

أما أن يكون التشخيص دقيقاً والبديل غائباً، فهذه ليست سياسة مكتملة، بل نصف سياسة.

لا تجعلوا من خصومكم برامجكم الانتخابية

ربما هذه إحدى أكبر مشكلات الخطاب السياسي الذي بدأ يتشكل مع اقتراب الاستحقاقات.

بعض الأحزاب تتحدث عن منافسيها أكثر مما تتحدث عن نفسها.

نسمع كثيراً: هم فعلوا، وهم فشلوا، وهم أخطأوا، ونحن حذرنا منهم.

حسناً.

وأنتم ماذا ستفعلون؟

المواطن لا ينتخب المعارضة لكي تظل معارضة إلى الأبد، ولا ينتخب الأغلبية لكي تظل تشرح له لماذا هي أفضل من سابقتها.

إنه ينتخب من سيتحمل المسؤولية.

ولذلك فإن كل حزب يطمح إلى تدبير الشأن العام ينبغي أن يتصرف منذ الآن كأنه سيتسلم المسؤولية غداً، وأن يقدم للمغاربة برنامجاً يستطيع الدفاع عنه بالأرقام والآجال والتمويل.

فالمغرب لا يحتاج إلى حزب يجيد إلقاء الخطب فقط، وإنما إلى أحزاب تعرف كيف تدبر دولة.

المواطن لا يريد أن يعرف فقط من سيفوز

هناك انشغال مفرط بالسؤال:

من سيتصدر الانتخابات؟

من سيأتي ثانياً؟

من سيتراجع؟

ومن سيتحالف مع من؟

وهي أسئلة مشروعة بالنسبة للأحزاب والمتابعين.

لكن المواطن لديه أسئلة مختلفة تماماً.

هو يريد أن يعرف إن كان راتبه سيكفيه في نهاية الشهر.

والشاب يريد أن يعرف إن كانت شهادته ستفتح له باب العمل.

والأسرة تريد مدرسة جيدة لأبنائها ومستشفى يجدون فيه الطبيب والعلاج عندما يحتاجونه.

والفلاح ينظر إلى السماء والسدود والآبار ويتساءل كيف سيواصل الإنتاج في ظل الإجهاد المائي.

والمقاول يريد إدارة تسهل الاستثمار بدل أن ترهقه بالإجراءات.

أما الشاب الذي يتابع العالم من هاتفه، فيريد أن يعرف أين مكانه في المغرب الذي يجري الحديث عن بنائه؟

هذه هي الانتخابات الحقيقية بالنسبة إلى المواطن.

أما ترتيب الأحزاب، فهو نتيجة تأتي بعد ذلك.

هناك جيل جديد يشاهدكم

ينبغي للأحزاب أن تنتبه جيداً إلى هذه الحقيقة.

هناك جيل مغربي جديد لا يتلقى السياسة بالطريقة التي كانت تتلقى بها الأجيال السابقة الأخبار والخطب.

إنه يشاهد، ويقارن، ويبحث، ويسأل.

يرى كيف تتقدم التكنولوجيا في العالم، وكيف يغير الذكاء الاصطناعي سوق العمل، وكيف تتنافس الدول على الاستثمار والصناعة والطاقة والمعرفة.

ثم يفتح نقاشاً سياسياً محلياً فيجد أحياناً أشخاصاً يتبادلون الاتهامات حول الماضي.

فكيف نريد لهذا الشاب أن يتحمس للسياسة؟

المشكلة ليست أن الشباب لا يهتم بالشأن العام.

قد تكون المشكلة أن جزءاً من الخطاب السياسي لم يعد قادراً على إقناعه بأنه يتحدث عن مستقبله.

أخطر خصم للأحزاب لن تجده في صناديق حزب آخر

يمكن لحزب أن يهزم حزباً آخر في الانتخابات.

لكن هناك خصماً إذا انتصر فلن يكون هناك منتصر حقيقي.

اسمه فقدان الثقة.

حين يصل المواطن إلى الاقتناع بأن البرامج متشابهة، والوعود موسمية، والخطابات تتغير حسب الموقع بين الحكومة والمعارضة، فإنه قد لا يبحث عن حزب آخر.

قد ينسحب من اللعبة كلها.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة من معرفة الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من المقاعد:

هل ما زال المواطن يؤمن بأن صوته قادر على تغيير شيء؟

هذه معركة ينبغي أن تخوضها جميع الأحزاب مجتمعة، لأنها تتعلق بمصداقية السياسة نفسها.

المغرب ليس في حاجة إلى موسم جديد للوعود

لقد سمع المغاربة على مدى تجارب انتخابية متعددة كلمات كثيرة:

التشغيل، الاستثمار، العدالة الاجتماعية، إصلاح الإدارة، التعليم، الصحة، الشباب، العالم القروي، الحكامة، محاربة الفساد…

المشكلة ليست في الكلمات.

إنها كلمات ضرورية.

المشكلة أن المواطن أصبح يريد أن يعرف ماذا يوجد وراء الكلمة؟

عندما تقولون «التشغيل»، كم منصباً؟

عندما تقولون «الاستثمار»، في أي قطاعات؟

عندما تقولون «إصلاح التعليم»، بأي نموذج وبأي موارد؟

وعندما تقولون «دعم الشباب»، أي شباب؟ وبأي برنامج؟ وبأي ميزانية؟ وفي أي أجل؟

لقد حان الوقت للانتقال من البرنامج الذي يصلح للخطابة إلى البرنامج الذي يصلح للمحاسبة.

قدموا للمغاربة عقوداً سياسية لا لوائح أمنيات

يمكن للأحزاب أن تفعل شيئاً بسيطاً يعيد جزءاً من المصداقية إلى البرامج الانتخابية.

بدلاً من عشرات أو مئات الوعود، ليقدم كل حزب للمغاربة عشرين التزاماً أساسياً فقط.

وأمام كل التزام أربعة أسطر:

ماذا سنفعل؟

كم سيكلف؟

من أين سنموله؟

ومتى نحاسب على نتيجته؟

ثم، إذا تولى الحزب المسؤولية، يعود المغاربة بعد سنة وسنتين وثلاث ليسألوا:

ماذا تحقق؟

وماذا لم يتحقق؟

ولماذا؟

عندها تتحول الانتخابات من سوق للوعود إلى عقد سياسي بين المواطن ومن يطلب ثقته.

أين الكفاءات؟

هناك سؤال آخر لا يقل حساسية.

كيف يمكن أن نتحدث عن تجديد السياسة بينما تبقى الكفاءات بعيدة عنها؟

المغرب يتوفر على آلاف المهندسين والأطباء والباحثين والاقتصاديين والأساتذة والمقاولين والخبراء، وعلى شباب درسوا في الداخل والخارج وراكموا خبرات مهمة.

فلماذا لا نرى حضوراً أقوى لهذه الطاقات في صناعة البرامج وفي الواجهات السياسية وفي تدبير الشأن العام؟

ولماذا يُختزل أحياناً تجديد النخب في البحث عن وجه انتخابي جديد، بدلاً من البحث عن عقل سياسي جديد وكفاءة جديدة وثقافة جديدة في ممارسة المسؤولية؟

لا نحتاج إلى إقصاء أصحاب التجربة، ولا إلى رفع شعار الشباب لمجرد الشباب.

نحتاج إلى معادلة تجمع التجربة والكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.

كفى مناظرات حول الأشخاص… أعطونا مناظرات حول المغرب

ما الذي يمنع أحزابنا من الجلوس أمام المغاربة في مناظرات وطنية حقيقية؟

مناظرة كاملة حول الماء.

أخرى حول البطالة.

ثالثة حول إصلاح التعليم.

رابعة حول الصحة.

خامسة حول مستقبل الفلاحة.

سادسة حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

وسابعة حول النموذج الاقتصادي الذي نريده للمغرب خلال العقد المقبل.

وليأت كل حزب بأفضل خبرائه ومسؤوليه وليقدم مشروعه أمام المواطنين.

حينها سنرى الاختلاف الحقيقي.

وسيستطيع المواطن أن يقول: هذا الحزب يقترح هذا الطريق، وذاك يقترح طريقاً آخر، وأنا سأختار بينهما.

هذه هي السياسة التي تستحقها دولة تتطلع إلى المستقبل.

المعارضة ليست صراخاً… والأغلبية ليست تبريراً

المعارضة ضرورية، بل لا ديمقراطية قوية من دون معارضة قوية.

لكن المعارضة القوية ليست التي ترفع صوتها أكثر.

هي التي تستطيع أن تقول للحكومة:

أخطأتم هنا، وهذا الدليل، وهذا هو البديل الذي نقترحه.

وبالمقابل، لا ينبغي للأغلبية أن تعتبر كل نقد مؤامرة أو مزايدة.

من يحكم عليه أن يقبل المحاسبة، وأن يعترف بالإخفاق حيث وقع، وأن يقدم حصيلته بالأرقام لا بالشعارات.

نريد أغلبية تتحمل مسؤوليتها، ومعارضة تقدم البديل.

لا نريد أغلبية تبرر كل شيء، ولا معارضة ترفض كل شيء.

لا تتذكروا الشباب فقط عندما تحتاجون أصواتهم

ربما هذه هي الرسالة الأكثر إلحاحاً.

لا تجعلوا الشباب مجرد صور في المهرجانات الانتخابية.

ولا مجرد نسبة ينبغي استقطابها في استطلاعات الرأي.

ولا مجرد أسماء توضع في اللوائح لإثبات «التجديد».

أدخلوهم إلى المطبخ الذي تصنع فيه السياسة.

دعوا المهندس الشاب يناقش البنية التحتية والطاقة.

والمقاول يناقش الاستثمار.

والباحث يناقش الجامعة والابتكار.

والفلاح الشاب يناقش مستقبل الزراعة والماء.

والمبرمج يناقش الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

والطبيب يناقش الصحة.

فالشباب لا يحتاج فقط إلى من يتحدث باسمه.

يحتاج إلى أن يتحدث هو أيضاً.

السباق الحقيقي ليس نحو البرلمان

قد تربحون الانتخابات.

قد تحصلون على عدد أكبر من المقاعد.

وقد تنجحون في تشكيل أغلبية أو قيادة معارضة قوية.

لكن هناك سباقاً أكبر من كل ذلك.

السباق على استعادة ثقة المواطن المغربي في السياسة.

وهذه الثقة لن تستعاد بصورة المرشح على الجدار، ولا بالشعار الأكثر جاذبية، ولا بالفيديو الذي يحقق أكبر عدد من المشاهدات، ولا بأقسى هجوم على الخصم.

ستستعاد عندما يشعر المواطن بأن من يطلب صوته يحترم عقله.

عندما يقدم له مشروعاً واضحاً.

عندما يقول له الحقيقة حتى عندما تكون صعبة.

وعندما يلتزم بما يستطيع فعله بدلاً من أن يعده بما يريد سماعه.

إلى الأحزاب: اختلفوا كما تشاؤون… ولكن ارفعوا المستوى

نحن لا نطلب من الأحزاب أن تتوقف عن الصراع السياسي.

الصراع الديمقراطي ضروري.

ولا نطلب من المعارضة أن تصمت، ولا من الأغلبية أن تتخلى عن الدفاع عن حصيلتها.

بل نطلب شيئاً أبسط وأصعب في الوقت نفسه:

ارفعوا مستوى الصراع.

اجعلوا معركتكم حول أفضل مدرسة للمغاربة.

حول أفضل نظام صحي.

حول أفضل سياسة للماء.

حول أسرع طريق لخلق فرص العمل.

حول أفضل نموذج لدعم الطبقة المتوسطة.

حول مستقبل الفلاحة والصناعة والطاقة.

وحول المكان الذي تريدون أن يحتله المغرب في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

تنافسوا على الأفكار كما تتنافسون على المقاعد.

وتسابقوا على استقطاب الكفاءات كما تتسابقون على استقطاب المرشحين.

وفي النهاية… سؤال واحد

مع اقتراب الاستحقاقات، ستكثر الخطب والصور والتجمعات والوعود.

وسنسمع كثيراً لماذا أخفق هذا الحزب، ولماذا لا يستحق ذاك أن يحكم.

لكن قبل أن يضع المواطن ورقته في الصندوق، من حقه أن يطرح على كل من يطلب صوته سؤالاً واحداً:

اترك خصمك جانباً للحظة… ماذا ستفعل أنت للمغرب؟

إذا استطاعت الأحزاب أن تجيب عن هذا السؤال بمشاريع واقعية وكفاءات قادرة وآجال واضحة، فسنكون أمام منافسة سياسية تستحق الاهتمام.

أما إذا بقيت المعركة محصورة في من يهاجم الآخر أكثر، ومن يجمع المرشحين أسرع، ومن يحصد المقاعد أكثر، فسنكون أمام سباق انتخابي قد ينتج فائزاً في الصندوق، لكنه لن ينتج بالضرورة رابحاً في المجتمع.

فالمغرب لا تنقصه الأحزاب التي تريد الفوز بالانتخابات؛ ما يحتاجه هو مشاريع سياسية تتنافس على الفوز بالمستقبل