الوضع الليلي
Image
  • 18/06/2026
المسافة الرمادية تضع الفريق الاشتراكي في الوسط أمام معركة تسقيف الأسعار

المسافة الرمادية تضع الفريق الاشتراكي في الوسط أمام معركة تسقيف الأسعار

شهدت الساحة السياسية والبرلمانية المغربية مؤخراً هزة نقاشية لافتة، أعادت إلى الواجهة حواراً قديماً متجدداً حول أدوار المعارضة التشريعية، وحدود المناورة السياسية في مواجهة الأغلبية الحكومية الكاسحة، وذلك عقب إسقاط مجلس المستشارين لمقترحين قانونيين حملا حساسية اقتصادية واجتماعية بالغة؛ ويتعلق الأول بتفويت أصول مصفاة النفط "لاسامير" لحساب الدولة لحماية الأمن الطاقي، بينما همَّ الثاني تسقيف أسعار بعض المواد الأساسية وعلى رأسها المحروقات، في محاولة لكبح جماح التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
لكن المثير في هذه الجلسة التشريعية المفصلية لم يكن فقط إسقاط المقترحين بأصوات التحالف الحكومي رفقة ممثلي الباطرونا، بل الموقف الاستثنائي الذي اتخذه "الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية" بالامتناع عن التصويت، وهو قرار فجر موجة عارمة من القراءات والتحليلات المتباينة التي تجاوزت أسوار البرلمان إلى صالونات النقاش السياسي والإعلامي، واعتبره البعض انعطافة تحتاج إلى قراءة عميقة في الخلفيات والمآلات.
انطلقت التبريرات التي ساقها قادة وممثلو الحزب ذي المرجعية الاشتراكية التاريخية من مقاربة براغماتية وسياسية محددة، إذ اعتبروا أن خطوة "الامتناع" لا تعني إطلاقاً الحياد السلبي أو مباركة التوجه الحكومي، بل هي صرخة احتجاجية واعية ضد ما يصفونه بـ"التغول العددي والسياسي" الذي تمارسه الأغلبية، وأوضح نواب الفريق أن الخرائط الرقمية داخل المؤسسة التشريعية حسمت مخرجات التصويت مسبقاً، مما جعل العملية برمتها مجرد مسرحية صورية لإضفاء طابع التنافس الديمقراطي على قرارات مغلقة سلفاً، كما ذهبت بعض قيادات الحزب إلى أبعد من ذلك بالتشكيك في الجدوى الاقتصادية والواقعية لمقترح تأميم "لاسامير" في هذا التوقيت بالذات، معتبرين أن إدارة مثل هذه الملفات المعقدة تتطلب رؤية استراتيجية للدولة بعيداً عن المزايدات السياسية أو الحلول الظرفية التي قد تثقل كاهل المالية العمومية.
في المقابل، لم تكن هذه التبريرات مقنعة للكثير من المتتبعين والفاعلين في المشهد السياسي، الذين أبدوا استغراباً شديداً من موقف الحزب، فمن الناحية الأيديولوجية، يرى منتقدون أن قضايا التوزيع العادل للثروات، ومحاربة الاحتكار، والتدخل الحمائي للدولة عبر أدوات كالتأميم وتسقيف الأسعار، تشكل في الأصل النواة الصلبة للفكر الاشتراكي والديمقراطي الاجتماعي الذي تأسس عليه الاتحاد الاشتراكي، وبالتالي فإن عدم التصويت بالإيجاب على هذه المقترحات يُعد تراجعاً عن مبادئ الحزب وهويته التاريخية، كما اعتبر محللون آخرون أن هذا الخيار ساهم بشكل غير مباشر في إضعاف جبهة المعارضة وتشتيت موقفها، مما منح الأغلبية الحكومية غطاءً مريحاً لتمرير خياراتها الاقتصادية الليبرالية دون مقاومة تشريعية موحدة.
النتائج الرقمية لعملية التصويت رسمت خارطة فريدة للفرز السياسي الحالي؛ إذ اصطف تسعة وعشرون مستشاراً يمثلون أحزاب الأغلبية الثلاثية والاتحاد العام لمقاولات المغرب في خانة الرفض المطلق للمقترحين، مقابل عشرة أصوات فقط أيدت التعديلات بحماس وقادتها نقابات عمالية وأحزاب من المعارضة كالحركة الشعبية، بينما بقي الفريق الاشتراكي وحيداً في منطقة الوسط الرمادية بامتناعه، هذا الفرز الثلاثي الأبعاد يكشف بوضوح عمق الفجوة القائمة اليوم في كيفية مقاربة الأزمات الاجتماعية؛ بين حكومة تتبنى خيارات اقتصاد السوق الحر وترفض التدخل المباشر، ومعارضة نقابية وحزبية تطالب بحلول راديكالية لحماية جيب المواطن، وفصيل اتحادي يحاول التموقع خارج الثنائيات التقليدية وإن كلفه ذلك مواجهة انتقادات حادة بالانتقائية السياسية.
تتجاوز دلالات هذا الحدث تفاصيل التصويت الدستوري لتطرح أسئلة جوهرية وأكثر عمقاً حول أزمة الفعالية التي تعيشها المعارضة البرلمانية في المغرب، ومدى قدرة المبادرات والتشريعات المقترحة من طرف النواب على إحداث تغيير حقيقي في السياسات العامة للدولة، وطالما ظلت الآلة العددية للأغلبية قادرة على إجهاض أي مشروع قانون لا يحظى بالضوء الأخضر الحكومي، فإن وظيفة البرلمان كمؤسسة للتشريع والمراقبة ستظل محط تساؤل مستمر من طرف الرأي العام، الذي يتطلع لمشاهدة ديناميكية سياسية قادرة على التفاعل الجدي مع همومه اليومية وتطلعاته المعيشية بدل الغرق في الحسابات التكتيكية الضيقة.