ثورة تدبيرية بجهة فاس-مكناس .. الانطلاق الفعلي للمجموعة الصحية الترابية لإنهاء المركزية الاستشفائية
تدخل المنظومة الصحية بجهة فاس-مكناس عهداً تدبيرياً جديداً يقطع مع المركزية الإدارية السابقة، وذلك عقب الانطلاق الفعلي لعمل المجموعة الصحية الترابية للجهة، وهو الحدث الذي تكثفت معالمه الرسمية برئاسة رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لأشغال أول مجلس إدارة لهذه المؤسسة الاستشفائية الفتية. ويأتي هذا التحول الهيكلي تفعيلاً للتوجيهات الملكية الرامية إلى إصلاح جذري للقطاع الصحي الوطني، وفي سياق تنزيل الرؤية الجديدة التي تعتمد على "الجهوية الاستشفائية" كركيزة أساسية لضمان العدالة المجالية وتقريب الخدمات الطبية من المواطنين.
ولم يكن انعقاد هذا المجلس الإداري الأول مجرد خطوة بروتوكولية، بل شكّل المحطة الأساسية لرسم معالم الخارطة الصحية الجديدة بالجهة؛ حيث شهد المصادقة الرسمية على ميزانية المجموعة المخصصة لسنة ألفين وستة وعشرين، إلى جانب اعتماد هيكلها التنظيمي الإداري، والبرنامج الطبي الجهوي الذي سيوجه بوصلة التدخلات العلاجية. ويرتكز هذا النموذج الجديد على توحيد قيادة المؤسسات الاستشفائية العمومية تحت مظلة واحدة، مما يتيح مرونة أكبر في تدبير الموارد البشرية والمالية، وتجاوز الاختلالات الناتجة عن تشتت مراكز القرار الطبي بين الأقاليم التابعة للجهة.
وتواجه المجموعة الفتية تحدياً ديمغرافياً وجغرافياً بالبُعد الاستراتيجي، إذ من المرتقب أن تشرف على تدبير الرعاية الصحية لفائدة ما يناهز أربعة ملايين ونصف المليون نسمة، وهو ما يمثل حوالي اثني عشر بالمائة من مجموع ساكنة المملكة. وتزداد معادلة التدبير تعقيداً بالنظر إلى الخصوصية السوسيو-مجالية لجهة فاس-مكناس، حيث تشكل الساكنة القروية ما يربو على ستة وثلاثين بالمائة من إجمالي السكان، وهو المعطى الذي جعل رئيس الحكومة يشدد على ضرورة إعطاء الأولوية لتسريع وتيرة تأهيل المراكز الصحية للقرب والمستشفيات الإقليمية، لضمان ولوج عادل وسلس للخدمات الاستشفائية دون عناء التنقل نحو الحواضر الكبرى.
ومن الناحية التشغيلية والميدانية، ستتحكم المجموعة الصحية الترابية في شبكة استشفائية ضخمة ومتنوعة، يقع في قمتها المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس كقطب طبي مرجعي وأكاديمي، وتتكامل معه أربعة عشر مستشفى إقليمياً وجهوياً موزعة على مختلف العمالات والأقاليم، مدعومة بأزيد من أربعمائة وسبعة وعشرين مركزاً صحياً للقرب. هذا الترابط المؤسساتي يسعى إلى خلق "مسار علاج" واضح للمريض، يبتدئ من مراكز المستويات الأولى وينتهي بالمستشفى الجامعي عند الحالات المستعصية، مما يقلل الضغط على المراكز الكبرى ويحسن شروط الاستقبال.
وفي إطار التحديث الموازي للخدمات، وضعت الهيكلة الجديدة رهان التحول الرقمي في صلب أولوياتها، عبر الدعوة الصريحة لتسريع تعميم الملف الطبي الرقمي المشترك. ويهدف هذا الورش التكنولوجي إلى رقمنة مسارات المرضى وتسهيل تبادل المعطيات الطبية بين مختلف المؤسسات التابعة للمجموعة، وهو ما من شأنه تقليص آجال المواعيد، وتجويد التشخيص الطائر، وإضفاء الشفافية على تدبير المخزون الدوائي والمستلزمات الطبية، في أفق تحقيق جودة حقيقية يلمس أثرها المواطن في معيشه اليومي.